علماء الأمة
بقلم: مصطفى نصر
عندما وصل إلى سدة الحكم، كان هولاكو التتري وجيشه من المغول يطرقون بقوة أبواب بلاده لغزوها. وكانت الدولة تمرّ بأزمة اقتصادية طاحنة. فاستفتى الملك المظفر سيف الدين قطز ابن أخت الملك العظيم خوارزم شاه مفتي الديار المصرية أيام دولة المماليك البحرية وسلطان العلماء الشيخ العزّ بن عبد السلام. أن يفرض على شعبه ضرائب فوق الزكاة لتجهيز الجيش لمحاربة التتار. فرد عليه الشيخ العزّ بن عبد السلام: إذا طرق العدو البلاد جاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على تجهيز الجيش فوق الزكاة بشرطين: أولهما ألا يبقى في بيت المال شيء من المال. وثانيهما أن تبدأوا بالطبقة الحاكمة فتبيعوا أنتم الحكام والقادة والوزراء والولاة ممتلكاتكم وآﻻتكم الفاخرة وتتساووا في معاشكم وممتلكاتكم أنتم والعامة. وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيديكم من الأموال والآلات الفاخرة، فلا!»
وفعلا قام سيف الدين قطز بتنفيذ الفتوى فورا وحرفيا، وبدأ بنفسه ومن ثم من هم حوله من حاشيته من أمراء ووزراء وولاة وقادة الجند، فأخرجوا جميعا ما في أيديهم من الممتلكات البذخية التي تضج بالرفاهية. فامتلأ بيت مال المسلمين بما يكفي لإعداد الجيش أفضل إعداد. وتوفير الضروريات لمعاش الناس من مخزون استراتيجي. تحسبا ﻷي حصار طويل المدى للبلاد قد يمارسه المغول بالإضافة إلى احتياطيات نقدية للمستقبل، فلم يضطر بعدها قطز لفرض أي ضريبة على شعبه لأن ما كان في حوزة أصحاب المواقع والمناصب العليا كان كافياً لسد العجز وزيادة.
هكذا كان العلماء يفتون ليس بما يهوى السلطان وبما يحب أن يسمع. فالعز بن عبد السلام الذي ولد بدمشق سنة 577هـ “1181م” ونشأ بها. ودرس علوم الشريعة والعربية. وتولى الخطابة بالجامع الأموي والتدريسَ في زاوية الغزالي فيه. واشتهر بعلمه حتى قصده الطلبة من البلاد. اشتُهر بمناطحة الحكام ومعارضتهم إذا ارتكبوا ما يخالف الشريعة الإسلامية برأيه. وقد قاده ذلك إلى الحبس، ثم إلى الهجرة والنفي إلى مصر، فعُيّنه قطز قاضياً للقضاة ومرجعا للإفتاء رغم أنه كان يعلم مسبقا بصرامته وعدم مجاملته للحكام. وهكذا كان القادة يحرصون على استشارة أهل العلم، يتعاملون مع فتاوى العلماء بدقة وعناية وجدية حتى أكرمه الله بلقب قاهر التتار ومفرق شملهم في موقعة عين جالوت. وفتح على يديه فجنب المسلمين وبلادهم شرور المغول وأمن بلاد المسلمين.
وتعد هذه صفحة من صفحات حكم مصر. أيام الأمراء المماليك في عهد محمود بن ممدود الشهير بعد تسلم الحكم بلقب “سيف الدين قطز” مع قاضي القضاة شيخ علماء العصر المملوكي “العز بن عبد السلام” العالم الجليل الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. وهي صفحة طويت بانتصار عظيم في معركة “عين جالوت” التي أنهت أسطورة هولاكو التتاري.