قاسيةٌ هي دروس الحياة ولم تكن يومًا بالمجان. وإذا علمتك الحياة أحد دروسها ولم تستوعبه كما يجب ستعيده عليك مرارًا وتكرارًا حتى تحفظه عن ظهر قلب.
درسان علمتهما لي الدنيا ولم أنسهما حتى الآن:
الأول: ألّا أشمت بأحد أبدًا حتى لو كان ممن نالتني منهم إساءة أو أذى.
ولو حدث مرة ونسيت الدرس يأتيني العقاب في الحال “لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَة لأَخِيكَ فَيرْحمْهُ اللَّهُ وَيبتَلِيكَ.” رواه الترمذي وقال حديث حسنٌ.
أما الدرس الثاني: فهو ألّا أُقارن نفسي بأحد؛ فمقارنة النفس بالآخرين أو “اشمعنى”.
نَقيِض الرضا عن النفس. نقيِض الرضا عن الحال. نَقيض الرضا عن الله. وبالمناسبة فكلمة “اشمعنى”، كلمة مصرية قديمة ذات أصول قبطية تتكون من مقطعين، «ايش» بمعنى ليه. أو إيه أو إزاى، و«معنى» وتعني مغزى أو دليل أو سبب أو أمارة.”
مقارنة النفس بالآخرين أراها المعصية الأكبر التي أخرجت الشيطان من رحمة الله؛ ذلك أنها أورثته الكِبْر، والكبر أقبح وأسرع الطرق ليبوء العبد بغضب الله والعياذ بالله.
المخلوق الجديد
لقد اعتقد الشيطان أنه حاز الأفضلية في الخلق لمجرد كونه مخلوق من نار. لذلك فإن هذا المخلوق الجديد أقل منه لأنه مخلوق من طين، لذلك رفض أمر الله له بالسجود لآدم وكانت أسبابه في ذلك:
” أنا خير منه”= “المقارنة”=” الكبر”. ” الحسد”= “غضب الله”، ولو نظرنا لواقع أحوالنا في الدنيا لوجدنا أن مقارنة النفس بالآخرين أكبر مداخل الشيطان التي لا نفطن إليها، فالمرأة التي ترى نفسها على قدر كبير من الجمال تقارن نفسها بفتاة أخرى تراها أبسط منها وتقول :لماذا وجدت هذه من يحبها كل هذا الحب و” أنا أجمل “منها ولم ينلني مثل حظها من هذا الحب؟!
أو لماذا تزوجت تلك ووجدت السعادة ورُزقت بالأولاد و”أنا الأجمل” و “أنا الأكثر حسبًا ونسبًا، مر بي قطار العمر ولم أُرزق تلك النعم؟!”
ونجد الرجل صاحب النفوذ والمال يقارن نفسه برجل أبسط منه شأنًا بكثير. ويقول لماذا أعطاه الله زوجة جميلة محبة وأبناء ناجحين و”أنا الأغنى” و”أنا الأكثر نفوذًا” تعيس في حياتي. ولا أجد الحب والسعادة رغم كل ما أملكه؟!
شكر المُنعم
ونجد من يقول: ما بال هذا الرجل قد وصل إلى ما وصل إليه من نجاح رغم قدراته المحدودة و”أنا الأمهر” و”أنا الأذكى” لم أصل إلى شيء مما وصل إليه؟!
مقارنات.. مقارنات.. والنفس دائمًا تغر صاحبها بأفعل التفضيل. ولاحظوا معي العبارات وما توصلنا إليه من معاني:
“أنَا أجمل” = ” أنا خير منه”
“أَنا أغنى” = ” أنا خير منه”
أَنَا صاحب السلطة والنفوذ ” = ” أنا خير منه”
“أنا الأذكى” = ” أنا خير منه “
” أَنا الأمر ” = ” أنا خير منه “
وكُلنا يقارن، وكلنا ينسى أن الجمال والغنى والذكاء إلخ.. فهي كلها نعم تستوجب شكر المنعم، لا أن نعتبرها حقوق مكتسبة لنا، وكأننا أوجدناها لأنفسنا بأنفسنا بل ونطالب خالقنا بأن يجازينا عليها بنعم أخرى مقابلة لها. كذلك نسيِنا أننا جميعا متساوون في الأرزاق ولن يحصل إنسان على كل شيء في هذه الدنيا. كما أننا نَسينا أن خالق هذا الكون ومدبره من صفاته الحكمة والعدل وأنه لا يظلم ولو مثقال ذرة. نَسيِنا أن الرضا سجود لإرادة الله، نسينا ” وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي “.