مقالات متنوعة
دعوة للجنة

دعوة للجنة
مصطفى نصر
دعوة للجنة.. “اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى” لماذا الفردوس الأعلى وليس جنة النعيم أو جنة عدن أو جنة المأوى؟
السبب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجهنا بأن نسأل الله الفردوس الأعلى كفرصة ممكنة ومتاحة لأمته، وهذه دعوة للجنة.
فالجنان سبع كما وردت في القرآن الكريم في أعلاها المقام المحمود وهو محجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية: هي (جنة النعيم ) وهي مخصصة لفئتين فقط أصالة من السادة الرسل والأنبياء عليهم السلام هما (المقربون) و(المخلصون) فمن المقربين سيدنا عيسى عليه السلام، نص الله تعالى صراحة على ذلك بقوله في الآية رقم (45) من سورة آل عمران : (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) ومن المخلصين سيدنا يوسف عليه السلام نص الله تعالى صراحة على ذلك بقوله في الآية رقم (24) من سورة يوسف: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين).
أما نبي الله إبراهيم فقد طلب جنة النعيم بالاسم لم يتحدث عن المخلصين ولا عن المقربين، قال تعالى في الآية رقم (85) من سورة الشعراء على لسانه: “رب أجعلني من ورثة جنة النعيم” وهناك فئة ثالثة استثنائية تدخل جنة النعيم مباشرة هم أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
والجنة الثالثة وهي (الغرفة) وللحصول على هذه الجنة يجب أن يحقق الانسان 22 شرطاً موزعة على النحو التالي: أولاً في سورة الأنعام الآية (151-152) أن يكون الانسان من المتقين، وهذه التقوى تتحقق بعشرة شروط: قال تعالى:
“قلُ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (153).
ووردت بقية الشروط في سورة الفرقان الآيات من 63 من قوله تعالى: “وَعِبَادُ الرحمن الذين يمشون عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً” الى قوله تعالى في الآية (75) “أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً”
والجنة الرابعة وهي: (الفردوس) وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعها نصب أعيننا عندما نسأل الله الجنة، بقوله عن أنس بن مالك رضي الله عنهما: “إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلا الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة” سنن الترمذي ص (3174) ووصف الحديث بأنه (حسن صحيح).
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعياً عندما وجهنا لطلب الفردوس، لأن كلا من جنة النعيم والغرفة صعبة المنال: الأولى لاختصاصها بالرسل عليهم السلام، والثانية لحاجتها لـ22 شرطاً كما ذكرت، أما جنة الفردوس فالطريق إليها أيسر لأن شروط بلوغها ستة شروط فقط، فقد وردت كلمة الفردوس مرتين في القرآن الكريم مرة بصورة مجملة في سورة الكهف الآيه (107) قال الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا” ثم ورد بيانا تفصيلياً لصفات الذين آمنوا وعملوا الصالحات في سورة المؤمنون بدءاً من الآية رقم (2) “الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ” والآية رقم (3) “وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ” والآية رقم (4) “وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ” والآية رقم (5) “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ” والآية رقم (8) “وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ” والآية رقم (9) “وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ” ثم نص صراحة على أن أصحاب الشروط الستة المذكورة آنفاً: “أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون(11)”.
وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض معالمها.. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً « إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنَّه أوسط الجنة و أعلى الجنة و فوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة”.
كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه عن معاذ بن جبل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : “ذر الناس يعملون فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض و الفردوس أعلاها درجة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن، ومنها تتفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس” وقد وصفت الفردوس بأنها على درجات أعلى وأسفل كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم حارثة (إن ابنك لفي الفردوس الأعلى)، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام بسنان رمحه فمات، فقال أناس ليس عنده ثواب الشهيد، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟ فقال: “ويحك، أوهبلتِ، أوجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه لفي الفردوس الأعلى” صحيح البخاري رقم «6550» وقال إنه «صحيح» وفي هذا الحديث فيما أرى رد بليغ على من قال إن الجنة واحدة وكل المسميات من (نعيم- فردوس- مأوى- وعدن) هي أسماء لشيء واحد.. وهي أيضا دعوة للجنة.
وقد جاءت هذه التفرقة بين الجنان ودرجاتها العليا والسفلى واضحة في قوله تعالى بآخر سورة الرحمن: “ولمن خاف مقام ربه جنتان” ثم ذكر: “ومن دونهما جنتان” فقال المفسرون: لمن خاف مقام ربه (4) جنان اثنتان علويتان واثنتان سفليتان جميع المواصفات التي في العلوية ذكرت في السفلية لكن بدرجة أقل: ففي العلويتين الأشجار “ذواتا أفنان” شجر ضخم وله أغصان.. في السفليتين “مدهامتان” أشجار كثيفة ملتفة ورق دون أغصان، في العلويتين المياه أوفر: “فيهما عينان تجريان” المياه زائدة تجري .. وفي السفليتين “فيهما عينان نضاختان” محدودة داخل البركة لا تجري.
في العلويتين الفواكه أوفر: “فيهما من كل فاكهة زوجان” في السفليتين: “فيهما فاكهة” لم يقل (من كل).. في العلويتين “متكئين على فرش بطائنها من استبرق” وفي السفليتين: “متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان” ما يشبه المجلس العربي بدلاً من الفُرش .. وعن الحوريات في العلويتين: “فيهن قاصرات الطرف كأنهن الياقوت والمرجان” يقصر الطرف عليهن لشدة جمالهن، فلا ينظر المرء لغيرهن، في السفلتين لم يفصل قال: “فيهن خيرات حسان” هن حسناوات ولكنهن لا يقصرن الطرف عليهن كالحوريات في الجنان العليا.
جعلني الله وقرائي الأعزاء في الفردوس الأعلى التي رشحها لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، لكن بالطبع فإن الطريق إليها له شروط نسأل الله أن يجعلنا من الموفين بشروطها المذكورة أعلاه.









