بقلم : عبير سعد
دقات على الأبواب، ينتظرها الجميع على فترات متباعدة، تُطمئن القلوب على الغائبين، مظروف أنيق بيد موظف البريد الهمام” ساعي البريد“، يحمل أحياناً طابعاً ذكورياً بحتاً، بداخله كلمات تصف الحال وتسأل عن الأهل والعيال، كما تحمل الخير في هيئة بعض الفئات النقدية من أجل تحسين المعيشة والأحوال، وفي بعض أحيان أخرى يبهرك مظروف بتفاصيل أنثوية بلونه الوردي الموشى بالزهور، يحمل من الكلمات أعذبها ومن العطور أرقاها..
كانت هذه الخطابات تستغرق أسابيع وربما شهور لتصل من بلد لآخر تبعاً لأحوال البلاد وطول المسافات، لكنها دوماً ما حملت بين طياتها أرقى المشاعر، ثم جاء بعدها الهاتف المنزلي ليسهل التواصل بين الأفراد والمجموعات إلى حد كبير ويخلق طفرة على الرغم من محدوديتها..
بضعة عقود مرت على هذه الصورة الرقيقة، نتذكر هذه الفترة من تاريخنا وكأنها ماض سحيق، لكننا نتذكر أجمل ما فيها هدوءها، ترابط الأسر الجميل رغم البعاد، طغيان المشاعر والتعبير بالكلمات التي توطد أواصر المحبة بين الأسر والمجتمعات..
ليتبدل الحال مع بدايات الألفية الجديدة، وخاصة سنة2004 ثورة الإتصالات الحديثة، وظهور أجيال جديدة من الهواتف المحمولة التي تدعم برامج حديثة للتواصل، ومع مرور الشهور تتوالى التحديثات وتكثر الطفرات المعلوماتية التي جعلت من العالم قرية صغيرة، بل غرفة واحدة لا حدود ولا فواصل تحكمها..
لتبدأ المأساة الكبرى، والتي جاءت كنتيجة حتمية لهذا التطور المهول، وظهور العديد من البرامج التي سيطرت على الحياة العامة للبشر، وارتبط بها تفكيرهم وعلاقاتهم بشكل كبير، ومن أهم هذه البرامج والأكثر إنتشاراً واستخداماً نجد
Facebook, Instagram, Whatsapp, Twitter, tik tok,..
ونجد، حسب آخر الإحصائيات أن..
* حوالي 60.9% من سكان العالم، بما يعادل 4.80 مليار يستخدمون خدمات الإنترنت حول العالم أجمع..
* وبلغ عدد الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الإجتماعي المختلفة نسبة 56.8% من سكان العالم، بما يعادل 4.48% مليار مستخدم..
* أن “FACEBOOK” أكثر المواقع استخداماً بمعدل 2.32 مليار مستخدم نشط شهرياً..
_وفي دراسة للفئات العمرية التي تستخدم مواقع التواصل الإجتماعي جاءت نسبة
* 84 % يتراوح أعمارهم بين 18_ 29 عاماً..
*%81 تتراوح أعمارهم بين 30 _ 40 عاماً..
* 73 % تتراوح أعمارهم بين 50_ 64 عاماً..
* 91% من مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي يستخدمون الهواتف الذكية ، ونسبة 80% من الوقت الذي يتم قضاءه يكون عبر الهواتف الذكية، وليس أجهزة الحاسوب بأنواعها..
* متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدمون يومياً على وسائل التواصل هو ساعتين و 25 دقيقة..
ونلاحظ مع هذه الإحصائيات المخيفة، كيف سيطرت وسائل التواصل على حياة معظم البشر، فأغتيلت خصوصية البيوت وسِترها، نجد الصور والفيديوهات المتداولة تكشف ماذا يفعل كل فرد في كل وقت، وأصيب الجميع بهوس الترندات والإنتشار الواسع والشهرة، وتناسوا القيم والعادات التي تُبنى عليها البيوت..
ومع إنتشار الكثيرين من مروجي الوهم، أصيب الشباب بالتخبط، وفقدان القدوة و القِيم ، فأصبح هذا الذي يتاجر بأم أو أخت، ومن يحمل السلاح ويخلع الملابس، ويحظى بالشهرة والمال هو القدوة لجيل كامل من الأطفال، يتلقون منهم كلماتهم وطريقة حديثهم وإرتداءهم ملابسهم و حتى تفكيرهم، ليصاب الآلاف بحمى التقليد الأعمى التي أوردتنا المهالك، وتسببت في ضياع الكثيرين دون ذنب سوى السماح بدخول هذه النماذج لعقر دورنا عن طريق الهواتف المحمولة في يد كل ابن وابنه، ومواقع التواصل التي أصبحت موبوءة بمستخدمين تغافلوا عن كل مزايا التطور العلمي والتكنولوجي والوفرة المعلوماتية الجبارة في كافة المجالات، وانساقوا خلف الجنون المطلق الذي لا يقيده عرف أو دين أو عقل..
ومن هنا يجب إعمال العقل، ومحاولة تدارك الأخطاء الماضية، فلزم كل أب وأم ومعلم ومسؤول، أن يحاول الحد من هذا التأثير الجبار على أجيال كاملة، أن نحاول تحجيم هذه المأساة، وأن نمد يد المساعدة لأبنائنا وبناتنا، أن نزرع بداخلهم تعاليم دينهم منذ الصغر، أن نبني شخصياتهم على القيم وإعمال العقل في كل كبيرة وصغيرة؛ كي لا ينساقوا خلف دعوات التحرر والإسفاف والإبتذال، وجب علينا أن نملأ قلوبهم وعقولهم بكل جميل ومفيد، فالإناء المليئ لا يستوعب التراهات، يجب أن نعود بالحياة للطبيعية والفطرة السوية، بعيداً عن الدعوات الهدامة ومحاولات تخريب قلوب وعقول أجيال كاملة كل ذنبهم أنهم أتوا للحياة في ظل ثورة تكنولوجية مرعبة على قدر روعتها..
شاهد التالي
يونيو 4, 2026
حين أصبح العميل هو من يقود التسويق
يونيو 1, 2026
حين تتكلم المواقف وتصمت الكلمات
يونيو 1, 2026
جيل لا يخاف العقاب
مايو 31, 2026
الشغف بين الإلهام والحكمة
مايو 27, 2026
التلوث بسبب بقايا الأضاحي
مايو 26, 2026
أحلام أرباب المعاشات
مايو 24, 2026
التربية ونظرية الإرهاق التحفيزي
مايو 21, 2026
«نائب الغلابة».. حكاية رجل أعمال اختار الوقوف بجوار البسطاء
زر الذهاب إلى الأعلى