أدبي

يوم الخبيز 

يوم الخبيز

قصة قصيرة

بقلم: دعاء زيان

اختفى جسد جدتي “رئيفة ” الضئيل خلف الطبق البلاستيكي الضخم “الماجور” ، البرتقالي اللون ماركة الهلال والنجمة الذهبية، التي تمتلكه منذ خمسة عشر عاما و” الصيجان ” خرجت للتو من الفرن البلدي ، مازالت تحتفظ بسخونته رغم غزو الأفران الحديثة لكل منزل في البلدة.

تراصت الصيجان في صفوف بجوار بعضها البعض بشكل منمق، بدأت جدتي في إفراغ ما بها من كعك شهي محشو بالعجمية ،الملبن ،عين الجمل ،غريبة باللوز ، البيتي فور يعقبه بسكوت بالفانيليا والبرتقال، وهي تدندن بلحن شجى للراحل سيد درويش” أنا هويت وانتهيت”.

“رئيفة عباس ” ، صاحبة صوت ذهبي ،دفن بين أركان منزلنا المتواضع ، تبلغ خمسة وسبعين عاما ،ما زالت ريحانة الدار .

أحضرت الطبق العملاق الذي بدأ يظهر عليه علامات الزمن ،رق من قعره، كسر من الجزء المخصص للحمل، إلا أنه بحالة معقولة ،يصلح للاستخدام الخفيف، بدأت في رصها علي شكل طبقات دائرية بداخله ، ساعة كاملة وهي تحني قامتها القصيرة ،تضع كل قطعة برفق شديد حتي لا تتهشم .

أنا ” نور” ، حفيدها الأخير، بلغت العاشرة منذ أسبوعين، أحمل الصيجان ، تلك مهمتي ،إن حاولت مساعدتها في العجن ، أو الخبز، أو رص الحلوى نفاذة الرائحة، تنهرني بصوت منهك :

ـ أنت راجل ، تشيل وبس.

كل من بالعائلة منشغل بشئونه ،يتركون جدتي تعمل بمفردها منذ شقشقت العصافير حتي قرب دنو الشمس من أدمغة البشر ،عمتي “نجيبة ” الكبرى فقط هي من تأتي للمساعدة باستمرار، حنون ، ودود ، تشبه جدتي كثيرا، دونا عن عماتي الأخريات اللاتي لا يقبلن بصنع الحلوى بأيديهن ،يقلن : إن الجاهز ألذ طعما ويوفر الجهد .

تهادت “نيرة ” زوجة أخي الكبير “يونس” في مشيتها كغزال بري شارد، وهي تقتحم صحن الدار بحذائها ذو الكعب العالي ، أحدث دويا جعل جدتي تترك الرص وتلتفت إليها، ابتسمت نيرة بملأ فاها، قالت بلهجة عابثة:

ـ أساعدك يا تيتة ؟

ضيقت جدتي عينيها، وهي تمعن النظر في وجهها الذي لا تظهر ملامحه من مساحيق التجميل ، أظافرها التي وضع عليها مادة “الأكلريك” الغريبة المطلاة بلون قرمزي غريب ،قالت ساخرة:

ـ ضوافرك تتكسر يا بنتي .

أردفت نيرة بميوعة :

ـ آه صح؛ ضوافرى تبوظ.

زاغ بصرها للحظات، تتمعن في الكسر والشقوق البسيطة بجواره ،دست وجهها في الطبقات التي تكملها ،حركات سريعة ، غاضبة بعينيها ويديها سويا ،ظلت تضع القطع حتي خرج من أطرافه بعض من البيت فور، صحت في وجهها:

ـ كفي يا جدتي، أسمع صوت طقطقته ، سيتحطم!!

أجابت بصوت محشرج:

ـ لا ؛ دائما يتحمل.

بعد دقائق انشطر لنصفين ، تبعثر كل ما بداخله ، افترشت جدتي الأرض ،ضمت الجزأين معا بحنو ، هرولت لعم “فايز” صاحب دكان الأدوات المنزلية العتيق في حارتنا لأحضر آخر جديد ، كل المتوفر لديه ألوانه براقة ،مزركش إلا أنه هش ، ركيك الجودة، أحضرته علي مضض فهو الوحيد المتاح.

انحنت نيرة لتلتقط بعض من القطع ، انكسرت إحدى أظافرها بعد جمع قطعتين ،صرخت متألمة، في طرقة عين، أتي يونس.

قالت وهي تتقصع :

ـ ضفري انكسر يا يونس ،وبيوجعني.

لف زراعه حولها وقال بلهجة آسفة:

ـ فداك حبيبتي، ماتلمسيش حاجة تاني.

غادرا بدون لملمة القطع المبعثرة، دلفت للدار، وضعت الطبق الجديد بجوارها ،بمجرد أن لمحته شهقت:

ـ دا خف الريشة؟ لازم يتعامل بالشوكة والسكينة.

صوت جدي ” جاد الحق “صدع في المكان دون مقدمات:

ـ كسرتي الماجور يا  ؟رئيفة!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي