مسلسل “لوتشيا” الحلقة السادسة
بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي
كنت أشمُّ رائحةَ التاريخِ والحضارة من شرفتي التي رماني القدر إليها، وأعترف بالجميلِ للسيدة التي أنقذتني من مخالب الثعلب، وتولد لديَّ خوفٌ شديدٌ من الرجال عمومًا، وبدأت أكره وجودي مع أي منهم، أما علاقتي بدونا ماريا فقد بدا حبي لها واضحًا لحنوها وعطفها عليَّ، وهذا الاحتواء الجميل وتلبيتها لكل طلباتي، والتي لم تكن كثيرة في حقيقة الأمر، لكن أهم شيء هو هذا الشعور بالأمان الذي ملأني.
كنت أتجول بين الحضور وهم يذكرونها وأعمالها وفي أيديهم كؤوس الخمر، والتي لا أتقبل حتى رائحتها، وكنت أصول وأجول بذاكرتي وأنظر إلى السلم الدائري الموصل إلى الدور الثاني حيث أقمت أول ليلة دخلت فيها هذا القصر العتيق، وأقلب هدير الذكريات في عقلي، وأرجع إلى مخيلتي أيامًا كثيرًا ما وددت أن تنمحي من ذاكرتي، ولم أفق من غيبوبتي مع الآلام إلا على صوت يسألني:
– هل أنت حقا لوتشيا؟
– ألا تذكرينني ؟!
– آسفة، نعم ملامحك ليست غريبة عليّ، ولكنني لا أذكر أين رأيتك.
– أنا صوفيا، صوفي، ألا تذكرين كم من الشوكولاتة والكراميل خطفت من يدك وجريت، وجريت أنت ورائي حتى الشاطئ!!!
– صوفيااااااا هل حقًا أنت هي؟ نعم أتذكر أتذكر، ومن ينسى لقد كنت أنت أجمل ذكريات تلك الحقبة من الزمن!
– أين أنت الآن؟! حدثيني ماذا حدث لك وأين ذهبت بك الأحلام والأيام؟
– بعد اختفائك من القرية وما دار بها حول سر اختفائك، ثم خبر تبني دونا ماريا لك جاءت فرصة عمل جيدة لأبي في ميلانو، وانتقلنا أنا وأسرتي حيث ترعرعت هناك …هههههه. ..قصة طويلة. ..لا عليك…على أية حال أنا الآن أعمل مدربة غطس في البحر الأحمر!
– البحر الأحمر، أين؟
– الغردقة، في قرية سياحية، منتجع هناك أعمل فيه مسئولة فريق الغوص الذي يصطحب السياح إلى قاع البحر الأحمر، روعة وجمال، بدعة، لابد أن تحضري لزيارتي، من المؤكد أنها ستعجبك كثيرًا.
– نعم الأمر يستهويني، ربما أحضر لزيارتك في إحدى العطلات.
ثم نظرت إلى أصبعها وأشارت إلى خاتم بيدها:
– أنا سأتزوج من مصري.
كانت تتحدث في تلقائية وفرحة شديدة، ولا تدري ما تجلبه لي ذكريات طفولتي من بؤس وألم نفسي، وكنت أجاريها خاصة وأنا أراها فرحة ملهوفة على الزواج، ثم استمرت تقص علىَّ قصصًا كثيرة عن الحياة البسيطة والناس الجميلة وأهل الغردقة الطيبين والفول وأكلات السمك الطازجة، أما أنا فلم أسمع كلمة مما قالت، فقد ذهب عقلي إلى غرفتي في بيتي، ثم الغرفة التي استضافتني فيها أول ليلة دونا ماريا.
بعدها تعانقنا وقالت:
– يجب أن تأتي يومًا ما لزيارتي في الغردقة، خاصة وأنَّ خالك لوكا يعيش حياة رغدة هناك!
بدأت الجموع في الرحيل واحدًا تلو الآخر حتى قررتُ ليلتها ألَّا أبيت في القصر، وقضيت ليلتي في أحد الفنادق خارج القرية، أمضيت بضعة أيام ثم عدت إلى روما.

شاهد التالي
يوليو 20, 2026
حين يصبح رأي الآخرين سجنًا… كيف تميّز بين القلق الاجتماعي والرهاب الاجتماعي؟
يوليو 20, 2026
تهويد القدس وحرب الإبادة الجماعية
يوليو 20, 2026
حرب المسارات المتقاطعة.. صراع وجودي يعيد تشكيل الشرق الأوسط
يوليو 19, 2026
متي فرحة عاملين القطاع بلجنة يوليو و قرار تعيين الأبناء ؟
يوليو 19, 2026
لماذا أصبح الاعتذار أصعب من الخطأ؟
يوليو 19, 2026
ألم التعلّق… حين يتحول إلى إنذار دائم
يوليو 19, 2026
تنمية مهارات الشباب
يوليو 19, 2026
حين تتشابه الأعراض… وتختلف الحقيقة
زر الذهاب إلى الأعلى