أدبيمقالات متنوعة

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة الثامنة

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة الثامنة

بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي

يبدو أنها كانت في انتظاري؛ فما أن وقفت أمامها أخلع قميصي الأحمر إذ بها تلتهمني بنظرات ثاقبة وأراني أقرأ فى وجهها الاتهامات المسبقة التي تعودت عليها، أما أنا فقد بدأت أسرع في استبدال ملابسي والهروب مسرعةً إلى ملاذ راحتي ومكاني المفضل، مقعدي فقد تقت شوقًا إلى أحلامي الوردية بعد هذا اليوم الغريب. 

ارتميت فى أحضانه وأغمضت عينيّ المنهكتين، ثم أطلقت عنان روحي لتجوب السماء ذهابًا وعودة ثم بدأت اللقطات تمر أمام عيني ويدق لها قلبي رأيته بمنظور علوي، وهو ينظر إليّ ويدقق وأنا أسير أمامه بقميصي الشفاف، وتلك النظرة الثاقبة الفاحصة عند دخولي بقميصي الأحمر، ترى ماذا كانت تعني، ثم تلك اللمسة عندما تشابكت الأيدي  للمصافحة، وما زلزلت به كياني كله

من وراء الشباك دنا إلى مسمعي صوت أذان الفجر، يبدو أن سهرتي الحالمة طالت حتى نمت فى مكاني على المقعد. 

انتقلت إلى فراشي أداعبه ويداعبني فى محاولة لخطف ساعتين من النوم بعدها نزلت أترنح كما تعودت، ثم نظرت إلى الشجرة، ولكنه لم يعد بعد.  يبدو أن الحياة مع معشوقته قد راقت له، ثم انطلقت إلى  قهوتي وطقوسي اليومية ببطء مقصود؛ فقد كنت أخاف مواجهتها وأنا أضع اللمسات الأخيرة قبل أن أخرج إلى المستشفى، لكن لا مفر لي فلابد من هذه الوقفة وهذا الجَلْد اليومي:

أريني ماذا ترتدين اليوم، هذا القميص لم أرك ترتدينه منذ سنوات! فما سبب ارتدائك له اليوم؟

ماذا أصابك؟ أنا أرتدي ما أحبه وأراه مناسبًا، ثم أن هذه طريقة ارتداء ملابسي منذ زمن بعيد، وليس هناك جديد، وأراك تَتصيدين، وتريدين التعليق على كل صغيرة وكبيرة.

ربما، إذًا لمَ تستمعين لكلماتي؟ أليس لأنني محقة فيما أقول في كل ملاحظاتي!

اسكتي فليس هذا شأنك، فأنا حرة أرتدي ما أشاء هذه حياتي.

نعم هي حياتنا فأنا وأنت أصل وصورة!

انسحبت مهزومة كما المرات الأخرى، فهي لا تدع لي براحًا وتنتقدني وكأنها ضميري الخفي، وأتعجب لماذا لا تدعني أتصرف بحرية وأنطلق مثلما يفعل معي كل ليلة مقعدي الجميل. 

قبل انطلاقي إلى العمل أدركت أن كمال ربما يحتاج إلى شئٍ من المنزل، وبصراحة شديدة كنت أريد أن أعيش لحظات داخل حضن آخر من تلك الطفلة الجميلة، فقد أحسست حلاوة ودفء أحضان الأمومة.

هاتفته:

نعم أستاذ كمال.. سوف أحضر إلى المستشفى في طريقي سوف أمر على البنات للاطمئنان عليهن، إذا كنت تريد شيئًا من المنزل أخبرني لأحضره لك معي.

شكرًا أجهدنَاكِ معنا، وحقًا أنا ممنون جدًا لك ولذوقك الراقي، وعلي كل مواقفك بالأمس، وعودتك لنا اليوم هذا شئ كثير أشكرك مرة أخرى!

-أبدًا لا تقل هذا الكلام فنحن جيران، وحق الجيرة شئ كبير، ولا عليك لا تشغل البال، إن احتجت إلى أي شئ كل ما عليك هو استدعائي.

لا فعلًا لست بحاجة لأي شئ فقد أحضرت معي بعض الأغراض أمس، لكن إن مررتِ على البيت أحضني لي البنات نيابةً عني.

من المؤكد أنني سأرتوي بالأحضان معهن جميعًا وكأنك تقرأ ما أفكر فيه، سوف أفعل بكل حب وسرور، فأنا أحب بناتك جدًا، ماشاء الله ربنا يحفظهن.

غرقت فى أحضانهن واحدة تلو الأخرى وأخذت شحنة ضخمة من الحب الصادق وأطمأننت على حالهن، كما أخبرتهن أن والدتهن سوف تعود قريبًا جدًا إلى عشها الجميل.

أمضى كمال ليلته متأملًا فى أعماق ذاته، وهو ينظر إلى زوجته وأم بناته وهي على فراش المرض الذي داهمها فجأة دون سابق إنذار، يجلس على الكرسي تارة وتغفو عيناه تارةً أخرى، ومن حين إلى آخر يقف ويأخذ طريقه إلى خارج الغرفة متسكعًا بين ردهات المستشفى أو متوجهًا إلى الخارج حتى يدخن إحدى سجائره مرسلًا دخانها إلى السماء ثم يعود من جديد إلى هذا الكرسي أمام سرير ليلى، وقد أدرك تمامًا أن ما مضى لن يعود وأن القدر قد فتح عليه بابًا لا يدري إلى أين منتهاه وماذا سيحدث فى الأيام القادمة.

تضاربت في نفسه الأفكار وهو يحاورها ويسائلها:

كيف ستمر الأيام مع البنات فى غياب أمهن الرحيمة بهن والتي يعشقنها ثم ماذا عن العمل؟

كيف سينظم المسألة فقد كان كلام الطبيب واضحًا أن ثمة أمر خطير قد حدث وأن الأيام المقبلة ستكون طويلة وشاقة.

أثناء هذا العصف الذهني الذاتي المُر قفزت إلى خياله لقطة آمال وهي تسير أمامه شبه عارية بهذا القميص الشفاف، ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي داعبته نفسه إليها إلا أن هذه اللقطة تحديدًا كان لها وقعها الخاص جدًا فى خياله، رغم صعوبة الموقف الذي حدثت خلاله بل إنها كانت خطوة على طريق ومصير لا يدري متى بدأ أو إلى أين يقوده.

هكذا قضى كمال ليلته بين كرٍ وفرٍ في حياته، حائر كمن أجبر على الوقوف في مهب العواصف من كل جانب، والتي تجبره على أن يقبع في مكانه ينظر ويتأمل إلى أين ستأخذه رياح الحياة.

أما ليلى فقد أمضت الليلة على هذا الفراش، وبدأت تشعر بثقل جسدها، وبين دعاء واسترخاء أمضت ليلتها وهي تنظر بشفقة إلى زوجها وتفكر كثيرًا فى بناتها، لقطات من الماضي وهي تمرح معهن فى بيتهم، وقد ملأ الدفء والحب حياتهن وتطير بروحها وهي تعيش فى ثوانٍ متتالية كل الذكريات الجميلة لها مع بناتها.

ثم وجم وجهُها للحظة حيث تذكرت قريبةً لها كانت قد مرضت، و مرت بهذه الحالة منذ سنوات وأن الأمر لم يستغرق سوى أسبوعين ثم وافتها المنية، تترحم عليها فى خاطِرها، وتذرف دمعة على خدها تخشى أن يراها كمال، ثم تعاود الاسترخاء والدعاء لعل الله يحدث شيئًا، كانت تقول في سَريرتها وهي تحاور نفسها:

لا تخش شيئًا فإن الأمر كله لله، والكون كله بين كُن فيكون 

ثم تنصح نفسها قائلة:

إن أمر المؤمن كله خير، إذا أصابه خير شكر وإذا أصابه مكروه صبر، وفي كلتي الحالتين لا عليه إلا الحمد لله طول الحياة، وإنما عليه أن يعيش ما تبقى من العمر في رضا وسلام مع الذات. هكذا تعلمت من أمي أيام مرضها، وعشته فى رحاب أبي وهذه هي الأيام تدور بنا كما يحب الله ويرضى. 

حتى نامت في سلام واطمئنان..

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي