يشعر الكثير من الناس الآن بإحباط مفعم باليأس من أن تعتدل وتتوزان سبل الإنفاق اليومي أو الشهري الحائر بين المتاح واللامعقول من ناحية تصاعد وتيرة جنون الأسعار، ومن ناحية أخرى إنهيار قيمة الموارد التي تستطيع أن تحصل عليها بأمان.
فنحن نجد أنه أصبحت هناك معضلة حقيقية عجز عن فك طلاسمها أغلب خبراء الاقتصاد الحاليين حتى الآن، ووقعوا تحت طائل المعادلة الخادعة بين تقريب الهوة الساحقة بين الإنفاق والتدفقات.
هل نستعين بخبير أجنبي في وضع حلول سريعة منقذة للاقتصاد ولضبط الأسعار؟!
أم نتخلى عن كل احتياجاتنا ونترك السلع تبور و تتلف، ثم تدور الدوائر علينا ويحاول التجار استيعاض الخسارة وإحداث نزيف جديد من جيوب المصريين؟
إن العلاقة السوية بين العرض والطلب أصبحت غير مجدية ولا منطقية، فالسلع متوفرة ومتاحة ولكن غاية الوصول لها أصبحت مستحيلة، لا أتحدث هنا عن رفاهيات زائدة أو أحلام شرائية لا نفع منها أو ضرورة ولكن أبسط السلع، ولا أعني هنا الذهب أو البترول بل سلع أساسية يحتاجها كل بيت مصري طليعة كل صباح من دقيق وبقوليات وزيوت ولحوم وخضروات وألبان وجبن، ولا أقوى أو أجرؤ على إدخال الفاكهة في التداول اليومي للاحتياجات الأساسية، كل ما سبق أصبح من السلع المحتكرة والتي تخضع لبورصة يومية وأحيانا متغيرة على مدار اليوم.
يتملكنا الغضب من تفشي ظاهرة الاحتكار المرعبة التي طالت السلع الاستراتيجية الأساسية والتي تحافظ على الأمن القومي وتحمي من تفشي وتكرار الجريمة من أجل لقمة العيش، ولا أنكر الجهود الحثيثة التي تبذل من أجل السيطرة على ذلك والضربات المتعاقبة لوأد أي شبكات تقصد تخريب الاقتصاد وخلق وصناعة أزمات مجتمعية مثلما حدث في أزمتي السكر والبصل، وأعلم علم اليقين بكم المؤامرات التي تحاك بنا خارجيا وداخليا، ولكني رأيت أن نواجه مشاكلنا ونقتحمها بفروسية ولا نتخفى تحت الرمال، ولكن علينا أن نواجه ونضع الحلول، لأن الهجمة الشرسة من غلاء الأسعار المتصاعد لا نستطيع نحن مواجهته إلا بالرقابة الجادة للتجار والموزعين والمصانع والمتاجر والهايبرات، والمتابعة المستمرة للأسواق، والالتزام بوضع قائمة أسعار جبرية للسلع الحيوية، وزيادة المنافذ والأسواق المدعومة من الدولة والتي تحتوي على كل احتياجاتنا اليومية بأسعار تنافسية، وتأجيل قدر المستطاع تحميلنا بأية زيادة في رسوم الخدمات أو التنقلات، وأرشح العدالة في استنزاف العملات بتقنين السفريات للسفراء والملحقين الدبلوماسيين، وفتح المجال أمام الاستثمار الدولاري ووضع ضمانات بالعملة الصعبة ومضاعفة التصدير.
إنها صافرة إنذار قبل أن يحدث الصدام والانفجار الشعبي بكل طبقاته خاصة التي تعاني وتئن من تضاؤل الدخل المحدود الممكن لأنه حديث الساعة الآن بين كل المنتديات، رغم كل المحاولات الحقيقية لزيادة الدخول وتكبد الدولة ميزانية عملاقة لخلق فرص للشباب ورفع المرتبات وزيادة المعاشات والتي تتلاشى أمام توهج عملاق وغول تسونامي الأسعار غير المنطقي في السلع والخدمات المقدمة لكل الشرائح، وأسفي شديد لتغيير هيكلة الأنماط الحياتية الطبيعية وليس نسبة ال1% المحلقة فوق الأحداث والرؤوس، فهناك معدوم الدخل ومحروم من الدخل ومهموم على الدخل.