“تلك المرآة هي أنا” الحلقة 23 والأخيرة
بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي
مرت الأيام وقد أخذ كل من كمال وآمال على عاتقهما أن يتبادلا رعاية ليلى ليل نهار كما كان قبل زواجهما، خاصة آمال التي حرصت على مشاعر ليلى وكانت خير صديق ورفيق لها في أيامها التي توالت مسرعة، ومع كل فجر جديد كانت صحة ليلى تتراجع عما قبله حتى ركنت إلى فراشها، ولم تعد قادرة على الحركة،وأصبحت تعتمد في كل شيء على آمال التي كانت لها خير معين ورفيق، فكم سهرت بجوارها لا تنام حتى تُلبي كل احتياجاتها، كما كانت تقرأ لها ما تيسر من القرآن فقد كانت تشعر أن آيات القرآن تُضفي على وجهها نورًا على نورها.
فى آخر زياره للدكتور منصور انتهز فرصة لعب الأطفال مع آمال فى غرفتهن وأخذ كمال جانبًا وسأله:
– أهلا بك أستاذ كمال، كيف ترى الموقف؟
– الحمد لله على كل حال وأملنا فى ربنا كبير.
– خير إن شاء الله، لكن كنت أريد أن أصارحك بأن ليلى تعيش آخر مراحلها، رغم أنها قاومت المرض مقاومة شديدة، وأنا شخصيًا أدين لها بالكثير!
– نحن نؤمن بالله وراضون على كل حال إن شاء الله، وعندنا أمل كبير.
– سبحان الله، بالظبط كما توقعت، كنت أجادلها طويلًا كلما زرتها أو جاءت لزيارتي، حتى أضاءت الطريق أمامي ومعها عرفت الله.
– فعلًا، أمر غريب فقد لاحظت فى الفترة الأخيرة أنك أصبحت تنطق بكلمات لم نكن نسمعها منك فى بداية الأمر، ندعو الله أن يهدينا جميعًا ويحسن خاتمتنا!
– اللهم آمين.
توقف الحديث عند هذا الحد وربت د. منصور على كتف كمال وهو يودعه، وبدا لكمال وكأنه رأى د.منصور وقد لمعت عيناه وفرت منها دمعة!
فعاود في سريرته، سبحان الله مغير القلوب اللهم ثبتنا على دينك.
خرج الدكتور منصور ولم يكن كلامه غريبًا على آمال؛ فهي كطبيبة أدركت أنها مجرد ساعات معدودات على رحيل ليلى إن لم يغير الله شيئًا وقررت أن تقضي الليلة بجوار صديقتها كما فعل كمال، بل وحضر البنات والتف الجميع حول فراش ليلى يدعون لها.
مع أولى نسمات الفجر المنعشة الجميلة إذا بك تسمع نداءات المؤذنين تأتي من كل مكان من حول غرفتها في بيتها، تأتي من المساجد من حولها وهم يؤذنون لصلاة الفجر بأصواتهم الجميلة الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، حتى وصل إلى: الصلاة خير من النوم، وإذا بك ترى السماء تصفو ثم تقترب من بعده تغاريد العصافير تلقي على القلوب مشاعر الصفاء والنقاء.
وكأن غرفتها قد اكتظت بملائكة الأرض والسماء، يتزاحمون ويتناوبون بين مودعٍ ومستقبل، وترى السكينة والطمأنينة وقد دبت فى أرجاء المكان فلا تسمع إلا همسًا، وكأن رائحة المسك قد عبقت وتناثرت لتضفي على رحيلها هيبة لم يرها إنس ولا جان، وإنك لا تستطيع النظر إلى وجهها الذي أضاء ليضفي رونقًاعلى وجنتها، وغدت بسمتها تُسرّ كل مودعٍ جاء ليترك على شفتيه لمسة ملائكية يرتشفها ليبقى أثرها ما بقي من العمر وإلى آخر الزمان.
جلس الجميع حولها فى ثباتٍ فلا بكاء ولا عويل، بل وجوه مستبشرة عرفت أن فقيدتهم فى طريقها إلى موعدها للقاء الرحمن، ثم انحنى كل منهم على التوالي يحدثها ويودعها وداع الدنيا متمنيًا أن يلتقي بها هناك فى الدار الآخرة الأبدية بعد أن تمتع بالحياة حولها فى هذه الحياة البائدة.
موقف تقشعر له الأبدان، أما هي فقد غطت وجهها تلك الابتسامة السمحة بعد أن فارقت الروح الجسد وانطلقت فى موكبها إلى خالقها.
مع همسات ربانية تضفي إلى الموقف وقارًا يشعره الجميع وكأن الآيات القرآنية تتجسد أمامك وأنت تسمعها من داخلك:
بسم الله الرحمن الرحيم “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي“. صدق الله العظيم.
هكذا رحل جسد ليلى، وما تبقى إلا سيرتها العبقة على كل لسان.
استيقظت من نومي، وكان الشباك لم يزل مفتوحًا على مصراعيه، وإذا به قد عاد وينظر إليَّ وهو يغرد كما لو كان يريد أن يخبرني شيئًا ما، فتبسمت له وقمت أترنح واقتربت منه أسأله سر هذا التغريد العذب فشعرت وكأنه يشير لي نحو عشه ومعه محبوبته وثلاثة عصافير خرجوا توًّا إلى الحياة. فرحت فرحًا شديدًا لهذا العصفور الجميل ثم نظرت إلى فراشي فوجدت “كمال“ مازال يغط فى نومٍ عميق!
تمت