صراعٌ في داخلها بين قوى الخير والشرـ قوتان هائلتان متجبرتان ـ و تلفتت حولها في ضياع وقلق، انفجرت شفتاها قليلًا ـ كمن يريد قول شيء ـ أغلقتهما بسرعة ـ خافت أن تسمعها نفسها وهي تتحدث إليها بصوت عال ـ حدقت أمامها ببلاهة ـ تسربل وجهها بمسحة من التعب و الحيرة تتعجب لنفسها الثرثارة كيف تصمت هذا الصمت العميق الرهيب كصمت الأسفلت هذا وهو يتلقى صفعات الأرجل على وجهه الذي اسود من كثرة الضرب عليه.
تبحث عن نفسها لا تجدها، نظرت إلى رجليها، فلا تستطيع التفرقة بينهما فهي لم تنم البارحة إلا بعد أن وجدت الحل ـ وكان يحب أن تتقلب على الفراش لمرات عديدة ولوقتٍ طويلٍ حتى تستطيع أن تنفض عنها كل تفكير لتستقبل يومًا جديدًا من أيامها القاتمة.
في ضوء الصباح ـ نظرت إلى المرآة ـ رأت أمامها حلين لا ثالث لهما ووجهها انطبعت عليه كل التفاعلات الكئيبة و نوع من الحذر والخوف، يا ليت هذا الحذر زال من نفسها واندثر لاستطاعت أن تواجه الحقيقة.
لكن، هما حلان ـ حقيقتان، يجب أن تكون في أقصى الحذر.
و لم يبق في مقدورها إلا أن تتحدث إلى الطريق، ويطرق رأسها سؤال صعب أليم.
“هل تستطيع أن تخرج نفسها المحجوزة في قوقعة الحزن اللانهائي، وتجعلها تنسى كل ما مر من أحداث؟”
وتتجمع ثورة في أعماقها ـ لماذا لا تستطيع أن تجيب على هذا السؤال؟ و يظل السؤال يتكرر على ذهنهاـ تمله تلقي به على الإسفلت الساخن تحت قدميها، تحسه يثقلها، تتخوف من معركة حامية الوطيس يقع المحذور لا يبتعد السؤال عن طريقها ـ يقف أمام عينيها .. يعميهما لا ترى شيئًا.. يتلوى حول مخها ـ يشله عن التفكير لا ينتهي، يتلوى حول رجليها يسقطها أرضاـ لم تكن تظن أنها تمشي على شفا حفرة ومتى تسرعت قليلًا ستقع لا محالة.
و ها هي تتسرع ـ و ها هي تقع ـ شيء أقوى منها يجعلها تقفز في مكانها ـ تذكرت حياتها الأولى وعذابها الجشع ـ أكل من عقلها ـ وأصبحت مجنونة وأكل من جسدها فأصبحت نحيلة، وأكل من حياتها قطعًا قطعا ـ فأصبحت تفتقدها. لن تغفر له.
ويد تلقى على كتفها بعنف: ألا تسمعين و كأنك تحملين هموم الدنيا على كتفيك؟
ألا أسمع؟ و أتى من الطرف الآخر للشارع ـ جرى ورائي ـ صاح بي ـ ماذا يخرف؟ ما هذا الهراء؟ بماذا أجيب؟
أمشي وكأنني أحمل هموم الدنيا على كتفي؟
(لا يا أخي ـ إني أحمل فقط سؤالًا حطمني ـ أسقطني أرضًا ـ سؤال واحد أصبح هوسا يجتاحني ـ يحطم عقلي) من أنت أولًا: أنا لا أعرف اسمك؟
ـ اسمي ـ أله أهمية عندك ـ لو كان مهما لتذكرته يا آنسة. وتصرعها الحقيقة المرة ويصرعها حتى الخيال.
لو تذكرت اسمه على الأقل، لسخرت منه كما يسخر منها،
منذ المحاولات الأولى للتنقيب والبحث وجدت أنها تدور ـ تهبط بجسدها إلى قاع بعيد القرار يهبط من دون نفسها ـ وصرخات تصلها بعيدة المدى ـ صرخات مفزوعة مستغيثة (الرحمة ـ الرحمة) تنطلق من أبواب الظلمة الحالكة السواد.
اليوم ـ تجد نفسها من دون عمل ـ حتى الشاغل الوحيد الذي يهمها أخذوه منها ـ حلان اثنان ـ الانتقام أو الموت شيئًا فشيئا هكذا مشيا على الإسفلت الأسود و نفسها سوداء منشورة على الأرض أمامها.
– ما اسمك ـ إني أتكلم معك بجد أتفهم؟
– اسمي عبدالله، ألا تذكرين سهرنا ذلك المساء، في فندق الريف (كيف تتذكر؟ ـ لما تحامل عليها مدير عملها إلى أن طردها من عملها في نظرها وإلى أن غادرت العمل لأنها لم تنصع إليه في نظره، و لم تفهم.
أصبحت لا تتذكر شيئًاـ لا تفرق بين هذا وذاك ـ أصبحت ترى على كل الوجوه وجه المديرـ خبثه ، قسماته القبيحة، تصرفاته الدنيئة و تجول فكرة الانتقام مرة أخرى في ذهنها ـ وتتناساه ـ (يجب أن أتشبث بالأحجار الباردة الحادة، أحجار الجب العميق حتى أتخلص من صقيعه القاتل :(ما بالك سارحة في التفكير، لم أعهدك هكذا ـ ذلك المساء كنت نشيطة أقصى النشاط ـ ثم اسمعيني ـ لقد فوجئت لما رأيتك ـ إنك أجمل ـ وأجمل من قبل.
(من يحدث جسدها ـ لا يسمع ـ و لا يهتم ـ و لا تهزه مثل هذه الترهات. من يحدث ـ نفسها ـ إنها تفتقدها منذ زمن ـ فكيف يوجه إليه الحديث وفكرة ـ تعشش تنسج خيوطها السوداء في ذهنها ـ (الانتقام؟)، لكن كيف؟ الاستمرار في هذه الحياة البائسة المملوءة ضجرًا وكدراـ فكرة يقشعر لها بدنها.
ـ ألا تذهبين معي ـ سنسهر مثل ذلك المساء أو أفضل.
وأحست وكأن الشيطان يسكب في أعماقها سمًا ـ ولا يفهم ، يحوم حولهاـ يلقي عليها بعرضه الفاضح بلهجة واضحة، دون خوف ألا يرى أنها لا تريد أي شيء ـ فليبتعد عن سبيلها إذن. ألا يرى أنها تريد فقط أن تصل إلى حل واحد ـ حتى تستطيع أن تجد نفسها المشتتة التائهة.
وتنظر إليه نظرة فاحصة ـ شيء مستحيل ـ إنها ترى وجه مديرها الغضب المكفهر ينظر إليها، لا وجه عبد الله أو من يكون هذا.
ولا تعجب ـ تستمر وسط خوفها وفزعها، وسط حيرتها وتفكيرها ـ وأمها التي تحاصرها ـ تضيق الخناق عليها ـ ما رأيها ـ أمها التي تتهمها.
( ـ إلى أين ـ منذ أن فعلتها وغادرت عملك، منذ ذلك اليوم وأنا أرى التغيير في كل أفعالك ـ ماذا دهاك ـ ألا تستقيمين لماذا لم تبقي في عملك إذا كنت تريدين الخروج هكذا كل يوم ـ المدير رجاك أن تعودي ـ لم تفعلي).
ماذا سيقول الناس؟ افهمي يا عائشة إنك لست رجلًا… ولا تنتهي المحاضرات ـ ومن خلالها تكتشف عائشة الكثير من الألغاز التي كانت تقف عراقيل في سبيلها، ولا تصل لا تقرر إلا أنها ستشرب نخب السم على القبر المحفور بين ضلوعها وتستعد، فالحرب مؤاتية.
– ما هذا الصمت، تيقنت الآن أنك أصبحت لا تستمعين ولا تفهمين ـ أعرف أعرف أنك لا تريدين الذهاب لا إلى لاسيندا، و لا إلى الريف، لأن تلك الأجواء لا تروق لك ـ لكن عندي فكرة أفضل ـ إن راقت لك بطبيعة الحال: ألا تذهبي إلى منزلي؟
ماذا يظن هذا الأرعن ـ ألا يفهم؟ و أخيرا وسط الظلام الذي يلفها ـ اهتدت إلى فكرة أفضل، تستطيع أن تحررها من هذا الرجل، تحررها من العذاب المميت الذي يسلطه عليها بكلماته.
ـ اسمع يا عبد الله ـ أنا لست صامتة لأنني لا أريد أن أذهب إلى لا سيندا أو الريف معك ولا إلى منزلك ـ ولكن اسمع جيدًا أنا لا أريدك أتفهم ـ لا أريد حتى مرافقتك لي ـ اتركني وشأني ـ أريد أن أمشي وحيدة فهيا أرجوك دعني… متخلفة لا تسايرين الركب، لماذا نحن في العالم الثالث لا نفهم أبدًاـ (سؤال ساذج ـ ماذا يريد أن يفهم أناس العالم الثالث؟ و كيف يريدني أن أساير الركب وقد تخلفت أبحث عن نفسي، دمدم كلمات أخرى مستاء، غاضبا وقال:
إذن إلى فرصة أخرى … رغم أنك ستندمين لأنك لم تأت معي، (فلتذهب إلى الجحيم ـ لقد ندمت منذ أن صادفتني الظروف بك لا أدري ما هي ـ منذ أن أعلنت عن سقوطي بالتقسيط لكن لاـ الانتقام ـ لابد من الانتقام) الذي يظهر بعيدًا في الحلم، قريبًا في الحقيقةـ يتجدد، يتولد كل مرة، عن الآخر القديم ـ يطل من جهات متعددة تعشش فيها عناكب كثيرة، ذات سيقان طويلة جرداء تظل السماء؛ غيوم سوداء، ستصبح بيضاء لما تكتشف نفسها.
ووصلت إلى مكان الموعد، (محطة الحافلة الموجودة بقرب دائرة الأمن الوطني في شارع محمد الخامس)، توقفت عن السير، حدجتها نظرة أحدهم ـ تساقطت نظراته عند الأقدام، داستها بعنف، تساقطت نظرات أخرى لم تقع على جسدها لأنها كانت ركامًا مغلفًا بغلاف أبيض شفاف ـ وحين أصبح الركام غابة متحجرة مجنونة الأشجار جاء الضباب ـ فخشيت النظرات التسرب إلى الداخل مخافة أن تتوه ولقد كانت في انتظاره على غصن من أغصان الغابة المسحورة، منذ صباح الخليقة، حيته (مساء الخير كنت أظن أنك لن تأت).
– ما الذي أوحى لك بهذه الفكرة ـ كيف لا آتي، اسمعي ـ ألا تشربين شيئًاـ هيا ـ إلى مقهى فلوريداـ مقهى جديدة لن يعرفك أحد هناك ثم نستطيع أن نتحدث بهدوء وسكينة.
تنظر إليه و ترى على وجهه وجه المدير الذي طردها من عملها ـ تتجاهل و تقول: ماذا فعلت قل لي وبلا مقهى ـ أرجوك ـ ليس لدي وقت كافي للجلوس في مقهى ـ يجب أن أعود إلى البيت، هل هناك من عمل؟
ولكنه استمر في الطريق المؤدي إلى المقهى، وكأنه لم يسمع رجاءها، لم تتبعه بقيت في مكانها لم ترد أن تخرج من الغابة الضبابية التي تظلها بفروع أشجارها الكثيرة من النظرات.
توقف ـ تلفت حواليه باحثًا عنها ـ غاصت بين الأغصان ـ لم يرها تعجب دار حول نفسه لم يذهب إلى المقهى.
تمنت أن تأخذها هذه الغابة حتى لا تتعرض مرة أخرى إلى النظرات المغامرة المكتشفة ـ خرجت من الغابة دون أن تأخذها معها ـ واصلت سيرها عارية حتى من نفسها، اللهم، فكرة واحدة تفرش أمامها الوجود ـ وكان كل مرة يبرز لها وجهه هذا الذي وعدها بأنها سيقف إلى جانبها في البحث عن العمل وذلك الذي طردها من عملها بطريقة غير مباشرة ـ والآخرون ستنتقم منهم ـ لما تجد نفسها ـ لا تظن أنها تبخرت في الأجواء ولم تدرك لها أثرًا ـ ستجدها حتما في آخر المطاف
في داخلها شيء غير السخرية والاستهزاء في داخلها يقين يصول ويجول ـ يقين من أنها ستجد الحل المناسب.
والحل في نظرها هو الانتقام ـ لكنها ما زالت مترددة ـ لن يقر أمرها حتى تعود إليها نفسها الهاربة الجافلة المندفعة على إسفلت مسود ساخن.