أدبيمقالات متنوعة

فادعوهُ بها “الوهاب”

فادعوهُ بها “الوهاب”

بقلم: هبة محمد زغلول

دخلت الشابة الصغيرة إلى جدها حيث كانت عادته أن يقضي فترة ما بعد العصر بورشته الصغيرة، يقوم بنحت بعض الأخشاب وصنع المجسمات والأعمال الفنية الرائعة.
تحب دومًا الجلوس إليه ومشاهدته دون أن تتكلم، وأحيانًا تصحب معها دفاتر الرسم، ترسم بعض المخططات وتعرضها عليه، وإذا أعجب بإحداها فاجأها اليوم التالي بعمل منحوتة جميلة مشابهة لمخططها.
إلَّا أنها في هذا اليوم لم تؤثر الصمت وكانت تحاول صنع جلبة للفت انتباهه، ولاحظ الجد هذا فترك ما بيده وأحضر كرسي وجلس أمامها.
وقال لها ” هات ما عندك ياجميلتي”؛
ابتسمت له وأخبرته أنها درست اليوم عن قصة سيدنا زكريا ويحيى عليهما السلام، وأنها سبق وأن تعلمت جزء من القصة عندما كان يروي لها من قصص القرآن، وأنها علمت منه أن سيدنا زكريا كان عجوزًا وليس لديه أبناء، وكان يدعوا الله دومًا أن يهب له الولد الصالح، وأن الله استجاب الله ووهبه سيدنا زكريا على الرغم من كبر سنه وزوجه، وأنه جاءت معاني الهبة والعطاء على أكثر من نحو في الآيات المتناولة للقصة.

ثم تابعت أن الهبة هي العطاء بغير حساب وأن اسم الله الوهاب معناه أنه كثير العطايا وأن المنحة لا يشترط لها السبب ولاترد.

أعجب الجد بذاكرتها وحُسن إنصاتها له وتعلمها منه، وقال لها “بارك الله فيكي، إذا أين موضع الحيرة والسؤال؟”،
وبكثيرٍ من الأسى تخبره أنها تعلمت اليوم أن دعوة سيدنا يحيى لم تلقى قبول أحد الملوك وأنه أمر بقتل نبي الله يحيى ومن بعده زكريا عليهما السلام، فكيف يهب الله له الابن ثم يفجعه فيه بمقتله بهذه الطريقة.

ومرة آخرى يعجب الجد بذكاء وفطنة حفيدته وكذلك تدبرها للآيات، ليخبرها أن الهبة هي ملك لله الوهاب وأنه يعطيها لعباده دون حساب وأحيانًا حتى دون سؤال ليختبرهم فيها وعن كيف يبلون معها وكيف تنقلب أحوالهم بها.
فكم من ناس وهبهم الله الكثير من العطايا ولم يحسنوا جوار النعم وكانت سبب ومصدر فساد لهم.
وأنَّ الأنبياءَ هم أكثر خلق الله ابتلاء، وكان نبي الله زكريا مبعوثًا في بني إسرائيل؛ وهم أهل لضيق الصدور والعقول وغلظة القلب ولهم من السوابق في قتل الأنبياء بغير الحق، فعندما فصل سيدنا يحيي في قضية وكان يخالف هوى ملكهم، فأمر بقطع رأسه
لتنهار آمال الأب زكريا كلها في لحظة، فهو فقد الابن الذي منحه الله له بعد طول انتظار وفطر قلبه عليه ليمس قلبه بابتلاء عظيم ..

ولكن لك أن تعلمي أنَّ دعاء زكريا لربه بالابن كان خالصًا لوجه الله ، فكذلك كان في ابتلائه مفوضًا أمره لله، ولم يفتن في دينه لمقتل ابنه وزوال النعمة منه، فسبحان الله هو من أعطى وهو من فضل يحيي ليكون شهيدًا ابن شهيدا ..

كان نبي الله زكريا موقنًا بأنَّ الله تقبل دعائهِ الخالص لوجه الكريم، كان موقنًا بما ذكر له ربه عن يحيي “سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا”، وأنَّ موته ما كان إلَّا تشريفًا وتكريمًا له وزيادةً لله من فضله، ليلقي بعدها نفس مصير ابنه من القتل علي يد هؤلاء القوم الظالمين.

فلنا أن نتعلم من هذه القصة عدة أمور من نبي الله زكريا؛ أنه مع شدة العجز وانقطاع الأسباب لم يقنط من الدعاء، ومع الاستجابة لم يتوقف عن الشكر، ومع زوال النعمة وعظم الابتلاء لم يفتن ولم يتحول عن شكر الله ومتابعه رسالته.
فكان ابتلاؤه في قلب رسالته وفي الهبة نفسها، ومع ذلك كان صابرًا محتسبًا عند الله أجره، مستمرًا في أداءِ رسالته بكل إخلاص، حتى رزقه الله الشهادة في سبيلها.

بقدرٍ من التبسم كففت الفتاة الرقيقة دموعها وأبدت الكثير من التأثر لهذا الجانب من القصة الذي لم تعلمه من قبل، لتسأله إذا الله وهب كل الأنبياء واختصهم بأشياء معينة دون غيرهم من سائر البشر، فالهبات خاصة فقط بالأنبياء.
نظر الجد إليها بدهشة لهذا الاستنتاج الغريب، ثم قام من مكانه وأحضر شيئًا ووضعه بين يديها وسألها ماذا ترين، لتخبره بإعجاب شديد أنه نموذج خشبي متقن الصنع لسفينة شراعية.
يسألها كيف صنعه؟ لتبدأ تخبره عن الخامات والأدوات المستخدمة ومن ثم الخطوات، فيقول لها إذًا اصنعي لي واحدًا مماثلا، تتراجع لتخبره أنها لا تعرف، فهي غير موهوبة في فن النحت، يبتسم لها إذًا أنا أملك الموهبة ومن ثم التعلم والتمرس، ولكن من أين لي بها؟ ولما أختصني الله بها؟، ابتسمت له، وأنا أيضًا لدي موهبة فأنا رسامة بارعة، ويومًا ما سأصيرُ مصممة.

ينظرلها الجد بفخر وبحب ثم يسألها مداعبًا “ومن أين لعائلتنا الفنية العريقة بهذه المواهب ؟” تضحك له وتفهم مراده، لتخبره أنَّ الله هو من منحهم تلك القدرة والموهبة، ثم تعود لعادتها في التحزلق والمراوغة وهي تسأله، ولكن هل ترقى موهبة فنية كالرسم أو النحت أو الكتابة أن تكون كهبة الأنبياء، وأن تكون مصدر ابتلاء؟!.
يستجمع نفسًا عميقًا ويخبرها بقوة “بالطبع”، أنا أقومُ بنحت الأشياء الجميلة الطيبة، وأتقي الله في موهبتي ولا أصنع شيئًا يغضبه، كذلك الرسام أو الكاتب قد يستخدم موهبته لترسيخ المعاني الجميلة، وإبراز القيم أو لهدم وفساد المجتمع. وهناك من وهبه الله حلاوة المنطق واللسان، وهناك من وهبه الله واختصه بلين القلب مثلك، ليصلح أن يكون داعمًا للآخرين على عدة أوجه، وهناك من وهبه الله الذكاء والعلم الغزير هل ينفع به ويعلمه أم يستأثر به لنفسه أو يستخدمه لضرر وأذى الآخرين!

فكما أخبرتك يا صغيرتي أن الهبة ملك للوهاب، وأنَّ الاختبار في حُسن جوار النعمة والهبة ، وأن ما كانَ لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

تقفز الفتاة في حضن جدها وتطبع قبلةً على خده وتخبره أنها اكتشفت للتو هبة أخرى منحها الله لها وهي جد رائع ومتميز مثله، وأنَّها تحسن جوار النعمة بمحبتها له وحديثها إليه وتعلمها منه.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي