هذا اليوم قد يعتبره كثير من الناس كباقي الأيام حيث أنه بالفعل ليس كأي يوم، هذا اليوم يوافق في زمنٍ ولى العاشر من رمضان بكل كرامات وحلاوة أيام الشهر الكريم، وصوابات ونفحات هذا الشهر الذي تقيد فيه الشياطين.
ولنا مثال في ذلك بتقييد وهزيمة ودحر الشيطان الأكبر من بني الإنسان وهو إسرائيل بجانب شياطين الجن، هذا الكيان المغتصب الذي لا يعترف بالإنسانية أو الأصول والقوانين المتعارف عليها دوليًا، كيان متغطرس مهزوز جبان يقتل فقط من أجل القتل، لا يعرف حدود الرجال والنزال الشريف.
هذا الكيان المتغطرس اغتصب فلسطين والجولان وسيناء، لذا كان لزامًا على عاتق أبناء مصر الشرفاء إعادة أرض سيناء للوطن الأم مصرنا الحبيبة.
أخذ الكيان الجبان بعمل الحواجز على الضفة الشرقية لقناة السويس لكي يؤمن نفسه من أسود مصر، حيث أنه يعرف في قرارة نفسه أن مصر وشعبها لن يتركوا أرضهم له يعبث بها كما يشاء، فأخذ يبني خط بارليف وأطلق عليه بارليف العظيم ووضع فيه مجموعة من النقاط القتالية المحصنة والتي يصعب اقتحامها أو الاستيلاء عليها.
لم يكتفي هذا الكيان الغاشم بهذا فحسب بل قام بعمل ساتر ترابي من الرمال بارتفاع عشرين متر لكي لا يتمكن الجندي المصري من عبوره، ووضع نظام أنابيب من النابالم الحارق بمياه القناة ليقتل كل من يحاول العبور.
وصار يتبجح فأطلق أبواقه المنفرة بزعمه أنه الجيش الذي لا يقهر، وأن مصر لن تتمكن حتى بالتفكير في محاولة اجتياز تلك الحواجز لما بها من معوقات مدروسة وتحصينات متقنة ومجهزة بكل الأسلحة.
ولكن أبناء مصر الأوفياء لم يستسلموا ولم ييأسوا، وعقدوا العزم والإصرار على أن يجتازوا تلك الحواجز ويقوموا بإرجاع الأرض المغتصبة ودحر هذا الكيان بدون رجعة عن أرض الكنانة، وصل هؤلاء الأبطال الليل بالنهار لإنهاء هذا الليل الثقيل، فأعدوا العدة من الرجال والعتاد والإيمان بالله ورسموا الخطط ووضعوا التحضيرات.
تم تحديد ساعة الصفر، بعد أن قضى الرجال البواسل سنينًا في حرب استنزاف للعدو حتى لا يركن ولا يهنأ فينام هادئ البال، هذا العدو الجبان الذي كان يقلقه المصريون بالهجمات والمباغتات المميتة له.
ومن بعض غنائم حروب الاستنزاف عملية تدمير سفينتين هامتين في إيلات، حتى جاءت ساعة الصفر وانقض الوحوش بضربة جوية شلت مطارات العدو، وقام مهندسو جيشنا البواسل بتعطيل نظام قنوات النابالم القادرة على إشعال مياة القناة، ثم بادروا بوضع الكباري العائمة لنقل الجنود بأسلحتهم للضفة الشرقية للقناة.
ثم جاء استعمال المياه لفتح طرق في الساتر الترابي ليكون دليلًا على عبقرية المصريين فقد دمروه بأرخص المعدات، بالماء المضغوط من ماكينات ضخ ذات ضغط عالٍ والتي قد تم استيرادها للعمل بها في الزراعة.
ولتأمين سرية العمليات العسكرية كانت ساعة الصفر بإشارة من القائد محمد أنور السادات رئيس الجمهورية حينها، فدوت تكبيرات الأبطال لتملأ سماء سيناء، وملأ الخوف قلوب العدو حين بدأت قواتنا في الهجوم على بارليف واقتحامه والقضاء على النقاط الحصينة به واحدة تلو الأخرى.
كان عبور الرجال والتخطيط السليم إنجاز فائق لكل الحدود والتوقعات، فكان النصر المجيد والهزيمة النكراء للعدو الخبيث لما لهذه الحرب من تفوق وتخطيط غير عادي، ولكثرة الحواجز والتحصينات وفظاعة جرم العدو وانحطاط أخلاقه.
أصبحت تلك الحرب تدرس في الكليات الحربية العالمية وانكسرت شوكة العدو بلا رجعة وانكسرت غطرسته وكبريائه، وأصبح الجيش الذي يقهر بعد أن رأى أسود لا تعرف اليأس، وتتوكل على الله حق توكله وأصبحوا بمعية الله رموزًا بتكبيراتهم وجسارتهم وقوتهم.
هزيمة راح العدو من بعدها يلملم خيبته وينكمش، ووافق بالانسحاب من باقي أراضي سيناء والذهاب بلا عودة وعادت سيناء الغالية لحضن أمها مصر للأبد.
ومنذ ذلك التاريخ السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان لسنة ثلاث وسبعون وألف وتسعمائة ميلادية يوم يشهد بعظمته العالم، يوم من نور في حياة مصر والمصريين، يوم يتذكره الشعب المصري وكله فخر وعزة وكرامة، يوم عيد من أعياد الأمة المصرية.
لقد مضى على هذا اليوم واحد وخمسون عام ومازال الاحتفال به هو مصدر فخر لمصر. وشعبها، تستلهم منه الأجيال المتعاقبة الكرامة وتتعلم منه الصمود وتستخلص العبر والدروس في كيفية حب الوطن والدفاع عنه بكل الوسائل، فالأوطان والدين وجهان لعملة واحدة لا حياد عنهما، بل الشهادة فيهما من أفضل الشهادات عند الله، رحم الله القادة البواسل وحفظ الله مصر العزة وأنعم على شعبها بالأمن والأمان والخير في كل الأزمان.
عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.