أدبيمقالات متنوعة

بقلم رصاص_إني أغار_بقلم_مروة حمدي

بقلم رصاص

إني أغار

بفلم: مروة حمدي

أغار كأنثى عربية حرة أبية على لغتي العربية، تلك اللغة التي قرأت في ماضيها أنها كانت تنبض بالحياة، في كل حرف من حروفها، أجد صوت التاريخ، مازال صدى صوت صفير البلبل الذي دوى في المجالس وامتداد عصورًا من المجد في أذناي.

أغار على لغة تشبهني، تحمل في طياتها كل ما عانيناه من آلام وآمال، أغار على الأطفال الذين يكبرون بعيدًا عن بحورها، حيث تنقض عليهم لهجاتٌ غريبة، تحجب عنهم جمال الكلمة العربية. في عيونهم، أرى تساؤلات، لكنهم يفتقرون إلى المفاتيح التي تفتح لهم أبواب التاريخ والثقافة.

أغار على الهوية التي تمثلها هذه اللغة. فهي ليست مجرد كلمات تُنطق، بل هي روح تتجسد في كل جملة، في كل قصيدة، وفي كل حديث. كيف نُعَلّم الأجيال القيم والمبادئ إذا كانت لغتنا تتآكل شيئًا فشيئًا؟، كيف نُغرس فيهم حب الوطن إذا كانت أدوات التعبير غائبة؟.

أغار، لأنني أؤمن بأن اللغة العربية هي مرآتنا، تعكس تاريخنا وهويتنا.

أشعر بحسرة عندما أرى الطفل العربي يقرأ لهاري بوتر، بينما لا يعرف كيف يتهجأ جملة من ثلاث كلمات بالعربية. تلك اللحظة تترك في قلبي غصة، وكأنني أرى جسرًا من الجمال والعمق يُهدم أمام عيني، كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحولت لغتنا الغنية، التي تحتضن في أحضانها تراثًا عظيمًا، إلى كلمات تُلقى جانبًا، بينما تُقبل لغات أخرى وكأنها كنوزٌ لا تُقدّر بثمن؟.

ليت معي عصا موسى، فتتحقق على يدي معجزة الطلاقة اللغوية لدى الأطفال فيقرؤون العربية، ولكن شعوري بالعجز يلجم كل أحلامي فتهدم آمالي على الشواطئ، فقصوري واهية وكلماتي ركيكة، ولهجتي عامية وهويتي إن ظلت الهوية نصف عربية وكما تقول ماجدة الرومي ليس معي سوى كلمات. …وا حسرتاه !

ويشق صدري عندما أسمع الأطفال العرب فيما بينهم (وإن كان لدي شك هل هم حقًا عرب؟) يتحدثون بلهجات أجنبية، وكأنهم قد فقدوا القدرة على التعبير عن مشاعرهم بأبسط الكلمات العربية. لقد سلبتنا العولمة بعضًا من هويتنا، وجعلتنا نعيش في عالم يتجاهل جمال لغتنا وثراء ثقافتنا. أرى في عيونهم تساؤلات عميقة، لكنهم يفتقرون إلى المفاتيح التي تفتح لهم أبواب عالمهم العربي الذي ما عدت أرى أنهم يفتخرون أنهم ينتمون إليه، أو حتى يعرفون ذلك؟

أخاف على هذا الجيل، الذي قد يُحرم من استكشاف عوالم الأدب والشعر العربي، بينما ينغمس في قصص ليست له، ويدس السم في العسل فينهلون منه ما لا يحمد عقباه، كيف يمكن لنا أن نُعَلِّمهم القيم والمبادئ إذا كانت لغتنا تتلاشى في زحمة تصدر اللغات الأجنبية؟ كيف نغرس فيهم حب الوطن إذا كانت أدوات التعبير غائبة عنهم؟.

أغار، لأنني أؤمن بأن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جسر يربط بين الماضي والحاضر، بين الأجداد والأحفاد.
أشعر بالانكسار عندما يأتي إليّ أب ويقول: “ابني لا يحب العربية، ابحثي لنا عن حل، ” تلك الكلمات تتسلل إلى قلبي كخنجر، وأجد نفسي أُحجم عن سؤاله: “وهل أنت تتحدث معه بالعربية؟ هل تذهب معه لرؤية فيلما عربيًا، هل اشتريت له قصة عربية؟ وهل وهل وهل؟” كيف يمكن لطفل أن يحب لغته إذا لم يكن له في منزله صوت عربي يصدح، يعكس جمال هذه اللغة ويجعلها جزءً من حياته اليومية؟.

ولا أخفي عليكم سرًا فالكثيرين يسعون لجعل أطفالهم يتحدثون اللغات الأجنبية أولًا ويبذلون كل ما أوتوا من قوة ليحصلوا على جواز أجنبي، يعتقدون أن ذلك هو السبيل للنجاح في عالم معولم. لكنهم لا يدركون أنهم يهذبون أجنحة أطفالهم، فيقيدونهم بظلال الهوية، فلا يعودون قادرين على الإقلاع والهبوط، بل يصبحون عاجزين عن التحليق في سماء العلوم .

أطفالنا بحاجة إلى جسر يربطهم بماضيهم، وليس إلى قيد يحرمهم من أصولهم، كيف سنبني جيلًا قويًا يعرف من هو إذا كانت لغته الأم تُهمَل؟ كيف يمكن لهم أن يستشعروا الفخر بجذورهم إذا كانت الكلمات العربية تُعتبر عبئًا أو شيئًا غير مرغوب فيه؟

أشعر بالحسرة، لكنني أؤمن أن الحل يكمن في العودة إلى الجذور. يجب أن نُعيد للغة العربية مكانتها في منازلنا. لنُحدث فرقًا بسيطًا، كأن نقرأ القصص العربية، ونتحدث بها في لحظاتنا اليومية، ونغرس في قلوب أطفالنا حب هذه اللغة من خلال الأغاني والألعاب.

إنها دعوة للآباء، لنُسهم جميعًا في بناء جيل يعرف كيف يوازن بين لغته العربية واللغات الأخرى، يُحلق بجناحين قويين، قادرًا على الطيران في سماء المعرفة. فليكن حب اللغة العربية جزءً من حياتهم، ليشعروا بالفخر والانتماء، ولنبنِ معًا مستقبلًا يُضيء بأصالة لغتنا وثقافتنا.

وختامًا وكما يقول دكتور علي موسى:
كثرة الحديث عن ضعف مخرجات العملية التعليمية والتحصيل وبناء شخصية سوية هو مضيعة للوقت ما لم يكن هناك تكاتف سياسي ومجتمعي ليتم العلاج .

فيا كل أب ويا كل أم فلنبدأ بأنفسنا وبالعربي نتكلم.…

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي