مقالات متنوعة

وتواصوا بالمرحمة

وتواصوا بالمرحمة

بقلم: سليمان الناصر

“فلا اقتحم العقبة وما أدراك مع العقبة. فك رقب. أو اطعام في يوم ذي مسغبة. يتيمًا ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة”.

تلفت نظري الكلمتان الأخيرتان وطريقة صوغهما (تواصوا بالمرحمة)، يتواصى الناس بأشياء كثيرة من الخيرات الدينية والدنيوية، لكن التواصي بالمرحمة أمر لافت وبالغ الرِّقة والاتصاف بالحنان، يتواصون بالتراحم لبعضهم البعض ولغيرهم، يرحمون غيرَهم في أمور الدين والدنيا، ولا يتصف بتوصية غيرَه بالرحمة إلا من سكنت الرحمةُ قلبَه وامتلأ بها وجدانُه.

وفي عالمٍ قاسٍ فرداني استهلاكي استعراضي يحتاج الناس ليس فقط إلى قلب رحيم ويد حانية، بل أن مَن يجعل الرحمة ثقافةً وسلوكًا يتشبّع بها المجتمع والقلوب.

ومن اللافت أن القرآن جعلها هنا من صفات متقحمي العقبة.

قال الإمام الرازي:

واعلم أن قوله {ثم كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} يعني:
يكون مقتحمُ العقبة من هذه الزمرة والطائفة، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة والخلفاء الأربعة وغيرهم، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر على شدائد الدين والرحمة على الخلق، وبالجملة فقوله (وتواصوا بالصبر) إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله (وتواصوا بالمرحمة) إشارة إلى الشفقة على خلق الله، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذي قاله بعض المحققين:
إن الأصل في التصوف أمران:
صدق مع الحق، وخُلُقٌ مع الخلق،”

التواصي بالرحمة معنىً أخلاقيٌ جليل، وهو مطلب بالغ الأولوية في الحياة المعاصرة، وإذا كان الإنسان خُلِق بالرحمة كما يدل عليه مطلع سورة الرحمن (وفي عبارة طه عبدالرحمن “في البدء كانت الرحمة”)، فلن يصلح حالُه إلا بالرحمة والتواصي بالرحمة،

ويبدو والله أعلم أنه لا تواصي على الصبر إلا بقدرٍ من أخلاق الرحمة، ولا تواصي على الرحمة إلا بقدرٍ من أخلاق الصبر.

 

أحمد شحاتة

صحفي بجريدة العدد الأول، يهتم بالشأن السياسي، وخاصة القضايا العربية والعالمية. دكتوراه في الإدارة التربوية وسياسات التعليم، من كلية التربية - جامعة الإسكندريـة
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي