أدبي

العم قاسم

العم قاسم قادمٌ من بعيد.

7العم قاسم

الكاتبة: عبير مصطفى

أيامٌ رتيبة، أنسامٌ حانقات، يا له من صيفٍ خانقٍ!!

الجميع يشكو من ندرة الهواء، تطبق أيادي الرطوبة على أنفاسنا بصبرٍ وأناة، يحتدم صهيد شمس الظهيرة؛ فيصهر أرواحنا بين فيافيه، حتى ذرات الهواء باتت لزجةً، تلتصق بنا كطفلٍ لا يريد الابتعاد عن (ماما)، وكأننا نمنحها سببًا للوجود!!

ها هو العم قاسم قادمٌ من بعيد… يسرع الخُطى صوب موقف الحافلة؛ يراها تُقبل جهتنا، يُلوح لها بيده، لا يبدو أنها ستتوقف، ها هي تتجاوزنا بلا مبالاة، يلوح لها أكثر، يرفع عقيرته أن هيا توقفي، تحتك عجلاتها بأرضية الطريق في صريرٍ يخلع الأنفاس… ثم تتوقف على حين غرةٍ، عجبًا.. وكأنها رأته…!! ها هي تتقهقر للخلف، تتوقف قبالته، تفتح له أبوابها ببراءةٍ كزهرةٍ تفتحت بتلاتها لاستقبال الربيع، ينخلع قلبي لتوقفها، يا ألله… إنها ذات الحافلة!! أريد أن أصرخ به، لا تركب يا عم قاسم، بالله ابتعد، تخونني الكلمات… تأبى المغادرة، أفتح شفتيَ، أهم بالصراخ… ينظر ليَ الفراغ القا تل المحتل مكان السائق بتحذيرٍ اعتدتُ سماع صمته، تتسمك الأحرف بأحبالي الصوتية في رهبةٍ، تتشبث بحلقي في فزعٍ، أبجديات خوفي تبتهل إلى الله ألا تنزلق صرخاتها؛ كي لا تصل لأسماع ذاك الفراغ، فأحتل مكاني في قائمة ضحا ياه، ها هو العم قاسم يتقدم نحو الحافلة، يتداعى شريط الذكريات أمام عينيّ..

العم قاسم يبتسم لي…

يناولني قطع الحلوى..

يحملني ويعبر بي الطريق..

وجهه الطيب في كل صباح…

ابتسامته تنير حدود سمائي يوم ان اجتزت امتحان الإعادة..

اللهم قوة من لدنك لاجتياز هذا الامتحان المرير.. ينظر لي الفراغ من جديد… يرنو لي بنظرات الوعيد.. العم قاسم يوليني ظهره بينما قسماته بداخلي تبتسم في حنو… صوته بأنحائي يخبرني أني أستطيع… يده تربت على كتفي وقت الأزمات.. العم قاسم والفراغ يتصارعان بداخلي…

العم قاسم…

الفراغ..

العم قاااسم…

الفراااغ…

رجحت كفة العم قاسم…

فلم أدرِ إلا وقلبي يناديه في لهف…

-يا عمي قااااااسم… انتبه.

يدير لي وجهه الحنون .. ها هو يُقبل عليَّ مُرحبًا، أختلس نظرةً للفراغ خلف مقعد السائق… أراه يحدجني بتوحشٍ، يومئ لي بعينيه الخاويتين… وكأنه يقول:

“أنتِ لي”..

أسمع فحيح صمته يردد:

“تم تعديل أسماء القائمة… هاكم الضــ حية التالية”

صوت صرير عجلات الحافلة ينبئني أن عمي قاسم سيكون بخير…

أسمعكم تتساءلون في فضول.. وماذا عنكِ أنتِ؟؟

حسنًا… تلك حكاية أخرى أقصها عليكم في أمسية صيف قادمة.

 

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي