أدبي

بين الطب والكتابة

الطبيب والكتابة

بين الطب والكتابة

الطبيب والكتابة

ملائكة الرحمة

أتمنى أن يقرأها كل طبيب

يوسف إدريس

الكاتب: علاء محمود

لماذا يكون الطبيب كاتبا ؟ ، هذا هو السؤال الذي يتكرر في خاطري كلما سمعت أو قرأت اسم يوسف إدريس .. الطبيب الإنسان ، واستقر في نفسي حينها أنه: ولكي تكون كاتبا فلابد أن تدخل كلية الطب ، وعزمت على ذلك ، وكذلك عزم والدي ، لكن شاءت رغبة أمي دخولي كلية الهندسة .

.

لكن لازال السؤال يعترض تفكيري ، واستغرقني التأمل مرات ، تري هل هناك علاقة وثيقة بين الطب والكتابة ، فالطب انجب أعظم الكتاب والروائيين ، مصطفي محمود ، يوسف السباعي ، يوسف ادريس ، محمد المخزنجي ، محمد قنديل،أحمد شوقي الفنجري ، أحمدخالد توفيق ، نبيل فاروق ، ابراهيم ناجي ، احمد زكي ابو شادي ، …. إلخ.

.

وكأن الطب باب الإنسانية الرحب الوسيع ، والكتابة هي أولى ما يجده المرء بعد دخوله من هذا الباب ، حجم ما تصنعه هذه الكلية من مشاعر متولدة يجعلك تؤمن بأوجاع الناس ، وتشعر بها ، وتعيش معها ، وتتحسس الامهم ، فماذا لو أن طبيبا تحول لكاتب ؟ يبدو ذلك عظيما ليس لأنه كذلك حقا في ذاته ، ولكن بقدر ما رأينه من كتب ومقالات وسجالات لأطباء عباقرة عاشوا في القمة ، وقادوا الدنيا نحو المجد بأفكارهم وسطورهم وإبداعهم الأدبي .

.

” الكتابة أيضا ، بصرف النظر عن آي اعتبار ، موقف من الحياة ” هكذا يمكن أن أبدأ حديثي عن عراب القصة القصيرة ، ابن محافظة الشرقية ، هي المرة الأولى التي اتحدث فيها عن هذا الأسطورة ، وشئ غريب أننا في نفس الشهر الذي جاء فيه إلى الدنيا ، راسما بقدومه أحلى حكاية ، رجل بدأ باحثا عن نفسه ، مناديا الناس في كل مقالاته ، تارة يكتب في ” اهمية ان نزرع يا ناس ” , وتارة ينادي ” بأهمية أن نتثقف يا ناس ” ، هو من الناس ، ولست أجد جملة تصفه غير أنه من الناس وللناس .

.

يشاء القدر أن نتذكره في ذكرى ميلاده ، فقد ولد ” الافندي ” _ كما يصفه البعض _في 19 مايو من سنة 1927 ، في قرية البيروم التابعة لمركز فاقوس _ محافظة الشرقية _ وقد عرف الغربة وعرفته مبكرا جدا ، حيث اعتمد عليه والده في رعاية اخيه الأصغر ، حينما سافرا كي يكملا رحلتهما التعليمية ، ولد مسؤولا ، ومشغولا بمن حوله ، فقد عرف عنه حسه الوطني والإنساني.

.

بدأ مشواره الأدبي مبكرا جدا ، وهو القائل عن نفسه: ” انا بعتقد ان تسعين في المية من الناس انهم بيشتغلوا حاجة مش بيحبوها “, هكذا تلحظ كم كان شيئا جميلا أن يكتشف توقه للنشر ، واصراره على ذلك ، طوعت له موهبته الفذة أن يجد لنسفه فرص في مجلة المصري وروز اليوسف ، وتوسطت له موهبته العبقرية في أن يظهر سريعا ويعلو نجمه ويذيع صيته.

.

” أرخص ليالي ” هي المجموعة القصصية الأولى له ، وقد تستوقفك كلمة ” ليالي “، التي احتملت خطأ لغويا و نحويا حين جاءت معلولة ، والاجدر أن تكتب منقوصة، لكن كان لهذا الأديب وجهة نظر بعيدة المدى في ذاك الامر ، مما دفعه ليصر على هذا الشذوذ اللغوي، حتى يواكب الثقافة الشعبية للقراء ، فكان له سبق التجديد في سردية القصة القصيرة ، وتطور لغتها ، وقد نادى بسهولة اللغة النصية ، دون تقعر المصطلحات ، وتعقيدات الصور التي تقف حائلا بين الكاتب وبين جلاس سطوره.

.

ومن هنا: تمكن يوسف بيه ادريس اقناع الدكتور طه حسين بطرحه ، مما جعل الاخير يقدم له المجموعة، مثنيا عليها، مقارنة اياها مجموعته التالية : “لم أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول “أرخص ليال”، على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صارم لما يحدث فيها..”.

.

لقد نجح العراب في تطوير اللغة العربية الفصحى وقتئذ طوع الفصحى لتخدم لغة الشارع ، وتخدم اللغة الشعبية ، فكانت لغته السردية علامة يعرفه الجميع بها ، ويحبونه بها ، ملتمسين في سطوره قربه منهم ، واحساسه العميق بإلمامه الجامع بلهجة حواري ونجوع وقرى ومدن أم الدنيا ، فرسم مكانه في القلوب بريشة الخلود .

.

المختلف في هذا الرجل ، أنه قرر ألاخذ بتلابيب القصة القصيرة ، وتوظيفها في خدمة الحديث عن الرجل العادي ؛ قديما كانت القصص تتحدث عن الخير والشر ،وينتصر الخير في نهاية المطاف ، أو تتحدث عن شخصية تاريخية ، أو اسطورية ، لكن يوسف ادريس صنع من الرجل العادي بطلا ، و ادعائي يظهر جليا في قصة ” النداهة ” ، فمن لا يتذكر دور ماجدة في ءلكم الفيلم الاستثنائي ، وعزيزة في قصة ” الحرام “، ” وبيت من لحم ”

.

وانني اترك بين يدي القاريء قتباسا مختارا تتجلى فيه الإبداعية من قصة ” نظرة ” لكاتبنا العظيم ، ليؤكد فيه كم كان قريبا منا إلى الحد الذي يجعله يسهب في وصف فتاة تحمل صينية بطاطس . ولنعود لاحقا في رحلة نبحر فيها في كنوز عراب القصة القصية الدكتور يوسف إدريس .

.

{كانَ غريبًا أنْ تسألَ طفلةٌ صغيرةٌ مثلُها إنسانًا كبيرًا مثلي لا تعرِفُه في بساطةٍ وبراءَةٍ أنْ يُعَدِّلَ من وَضْعِ ما تحمِلُهُ ، وكانَ ما تحمِلُهُ معقَّدًا حقًّا ففوقَ رأسِها تستقرُّ ” صِينيَّةُ بطَاطِسَ بالفُرْن “، وفوقَ هذه الصِّينيَّةِ الصغيرةِ يَسْتَوِى حَوْضٌ واسعٌ من الصَّاجِ مفروشٌ بالفطائِر المخبوزةِ، وكانَ الحوضُ قد انزلقَ رَغْمَ قَبْضَتِها الدقيقةِ التي اسْتَماتَتْ عليه حتَّى أصبحَ ما تحملُه كلُّه مهدَّدًا بالسُّقوطِ } .

 

يتبع1

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي