مقالات متنوعة

النسيان.. بين نعمة الرحمة وخيانة الذاكرة

 

في زوايا الذاكرة البعيدة، تنام أشياء كان لها يومًا نبض، ضحكاتٌ، وجوهٌ، مواقف، ودموع. كأنها أوراق في دفترٍ أكل الزمن بعض حروفه وترك بعضها ينزف ببطء. هناك، يقف النسيان، لا كبطل ولا كجلّاد، بل كظاهرة تُدهشنا: أهو رحمة تُسدل ستارًا على ما يؤلم؟ أم خيانة تُطفئ أنوار ما أحببناه يومًا؟

 

النسيان، تلك القوة الغامضة التي تتسلل دون استئذان، لا يُمسك بها عقل ولا يُسيطر عليها وجدان. يأتيك في منتصف الحنين، يسرق اسمًا من ذاكرة قلبك، أو ملامح وجهٍ كنت تظنه خالدًا فيك. أليس هذا مؤلمًا؟ كيف ننسى من ملأوا عالمنا دفئًا؟ كيف تُمحى الذكريات وكأنها لم تكن؟

 

لكن، في المقابل، تخيّل لو لم ننسَ أبدًا… تخيّل ذاكرة لا تشيخ، تحتفظ بكل ألم كما تحتفظ بكل فرح، تراكمٌ متواصلٌ للوجع، للخذلان، للندم. ألن يتحول القلب إلى حجر، والعقل إلى ساحة حرب لا تهدأ؟ أليست نعمة النسيان في أنها تترك لنا متّسعًا جديدًا للبدء؟ أليس في كل نسيان نوعٌ من الشفاء؟ نوعٌ من النجاة؟

 

لقد أدرك الشعراء والفلاسفة قبلنا أن النسيان لا يُقاس فقط بما نفقد، بل بما يُبقيه فينا من أثر. قال نيتشه: “النسيان ليس نقيض الذاكرة، بل هو حالتها الأرقى.” أما محمود درويش فكتب: “النسيان تدريب الخيال على احترام الواقع.” وكأنهم يُخبروننا بأن في النسيان توازناً، لا يجب أن نتمرد عليه ولا أن نستسلم له.

 

فهل نلوم من نسي؟ أم نشكر من نسي؟

هل نُعاتب القلب لأنه لم يعد يرتجف عند ذِكر اسمٍ ما؟ أم نُربّت عليه لأنه تعلّم النجاة؟

النسيان ليس خيانة دائمًا، كما أن الذاكرة ليست وفاءً دائمًا.

بينهما يعيش الإنسان، يحاول أن يتذكّر دون أن ينكسر، وأن ينسى دون أن يتخلّى عن نفسه.

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي