
بقلم: عبير جبر الأكوح
في مجتمعاتنا، هناك نساء يحملن الحياة فوق أكتافهن، دون أن يشتكين، نساء لعبن أدوارًا مزدوجة؛ كنّ الأم والأب، السند والملجأ، دون أن ينتظرن شيئًا في المقابل سوى أن يكون أبناؤهن بخير.
المرأة التي تتحمل تربية أبنائها وحدها -سواء كانت مطلقة، أرملة، أو حتى على ذمة رجل غائب عن رجولته- كثيرًا ما تُنسى، تُهمل، ويُختصر عطاؤها في كلمة “واجبة”، وكأنها خُلقت فقط لتُعطي.
تمر السنوات، وتكبر التضحيات، بينما هي تنزف عمرها في صمت. لا شكر، لا سند، لا كلمة طيبة تواسيها في ليالٍ من السهر والتعب والمواجهة.
تتحول مع الوقت إلى “موظفة” تؤدي دورها بلا أجر، بلا مكافأة نهاية خدمة. فقط تنهض كل يوم لتواصل السير، بينما ينهار منها جزء جديد من روحها.
وفي نهاية الطريق، قد تجد نفسها وحيدة. الأبناء شقوا طريقهم، ومن كان يومًا شريكًا اختار أن يرحل دون سابق إنذار، تاركًا خلفه تساؤلات مؤلمة: ماذا عني؟ أين حقي من الحياة؟ أليس لي قلب؟ أليس لي حق في الأمان والاحتواء؟
وتبدأ رحلة التفكير: هل يحق لها الزواج من جديد؟ هل سيقبل أبناؤها؟ هل ستُدان من قبل المجتمع لأنها اختارت أن تعيش لا أن تظل خادمة صامتة؟
وإن كانت لها بنات، هل ستجد رجلًا يُؤتمن عليهن؟
ثم تدور الدائرة إلى نقطة واحدة: “الصبر والاحتساب”، وكأن الحياة الكريمة ترف لا تستحقه.
لكن الحقيقة القاسية لا تكمن في الأسئلة التي تطرحها على نفسها، بل في الإجابات التي تجدها من الآخرين: نظرة شفقة من البعض، وغيرة أو شك من البعض الآخر، خاصةً إن كانت ما زالت تحتفظ بجمال روح أو ملامح.

الخطأ الجذري كثيرًا ما يبدأ من العائلة، حين ترفض طلاق ابنتها في ريعان شبابها، حفاظًا على مظهر اجتماعي لا على روحها. فلا يُقبل انفصالها إلا بعد أن تذبل، وتتآكل، وتؤدي “مهمتها” على أكمل وجه. حينها فقط، يُمنح لها إذن الرحيل، بعد فوات الأوان.
هذه المرأة لا تطلب الكثير. فقط الاحترام. فقط أن يُقال لها: “شكرًا”.
فقط أن تُمنح فرصة للحياة بعد أن منحتها للآخرين.
رفقًا بالقوارير..
رفقًا بالنساء اللواتي خُذلن في ذروة عطائهن، وسُئلن عن تقصير لم يرتكبنه.













