أدبيمقالات متنوعة

خطوات بناء العمل المسرحي (2_2)

 

تحدثنا في الحلقة الأولى عن تعريف المسرح وأنواعه وعناصره، وخصصنا قدراً مهماً لأهمية المسرح في صياغة الرسائل الموجهة للجمهور، إذ يحرص الجميع على إيصال الأفكار للجمهور عبر قوالب التمثيل والدراما، فمصلحة الضرائب مثلاً تستطيع أن تقدم رسالة الضرائب في دعم الاقتصاد الوطني عبر المسرح بصورة أوضح عشرات المرات من البروشورات والملصقات والإعلانات العادية عبر الصحف والمجلات والتلفزة والراديو.

 

كما أن إيصال رسالة التوعية والتثقيف الصحي والوقاية من الأمراض وغسل الأيدي، عبر الدراما هي أجدى وأنفع في إيصال الرسالة مقارنة بالتوعية المباشرة، والوعظ والإرشاد، لذا فقد أصبحت قطاعات خدمية متعددة تستعين بالدراميين لنقل رسالتها بصورة أوضح عبر الأداء التمثيلي، لدرجة أن سوق الإعلانات الذي يعتمد على نجوم السينما والكوميديا أصبح قطاعاً كبيراً تتحرك في مجاله مليارات الدولارات، فصابون لوكس عندما يعرض بمشاركة هند صبري أو منى زكي يكون جاذباً للمبيعات عشرات المرات من الإعلانات التقليدية.

 

ولعل من أهم ما يجب مراعاته في العمل المسرحي اقتصاديات النص، حيث يجب أن يكون وقت عرض النص المسرحي لا يتجاوز ساعتين، فجمهور المسرح ليعيش معك النص بتفاصيله كلها ويندمج فيه يجب ألا تطيل عليه في العرض ليلا لأنه سيبدأ بالقلق كيف يصل إلى منزله بعد نهاية العرض، لذا كان المسرح سابقا يحرص على توفير مواصلات لكل أنحاء العاصمة بعد نهاية العرض، حتى لا يتشتت ذهن الجمهور.

 

كما أن من اقتصاديات النص المسرحي حصر المشاهد في ثلاثة إلى خمسة مشاهد فقط، حتى لا يحتاج النص للعديد من الديكورات التي قد تكلف الكثير، ويكون تغيير الخشبة بين كل مشهد وآخر يحتاج إلى عمالة كبيرة حتى لا يتأخر زمن العرض، والعمالة الزائدة تحتاج الى مال أكثر.

 

كما أن من اقتصاديات النص المسرحي التي يجب أن يراعيها الكاتب أن المكان الذي يقدم فيه النص “خشبة المسرح” محدودة المساحة لا تتجاوز على أكثر تقدير ثمانية في ثمانية أمتار، عليه يجب أن تكون أنشطة الأبطال على خشبة المسرح محدودة على قدر هذه المساحة مع مراعاة بساطة الديكورات التي لا تكلف كثيراً، فعندما يتطلب الديكور وجود طائرة او قطارا أو غواصة فإن التكلفة تتضاعف، لذا فإن على الكاتب تبسيط الأمكنة على قدر الإمكان وتبسيط الديكورات المطلوبة.

 

كما يجب على المخرج ألا يتنازل عن تقاليد النص المسرحي الذي يتقيد بنص منضبط، بدلا من الاسفاف الذي نراه في المسرح التجاري الذي يضع الأرباح المالية نصب عينيه، فيخرج الممثلون عن النص إلى قفشات وأفيهات مبتذلة ذات دلالات جنسية أحيانا، لانتزاع الضحكات من الجمهور.

 

فالكوميديا يجب أن تجعل الجمهور يضحك من مفارقات الموقف، وليس بانتزاع الابتسامة منه بأساليب بذيئة وفاضحة، فالحفاظ على الذوق العام وقيم المجتمع العليا وعاداته وتقاليده خير من كوميديا الإضحاك اعتمادًا على الابتذال، وليس كل الخروج عن النص سيئاً، إذ أن الفنان القدير بالتعاون مع المخرج يمكن أن يجعل من الخروج من النص قيمة إضافية للنص، دون أن يفصل الجمهور عن النص ويشتت ذهنه.

 

سأشرح فيما يأتي كل خطوة من خطوات بناء المسرحية بالتفصيل:

1- الفكرة:

وهي تحديد الموضوع أو القصة التي تريد نقلها إلى الجمهور، يمكن أن تكون الفكرة مستوحاة من:

 – تجربة شخصية

 – قصة تاريخية

 – أسطورة أو خرافة

 – قضية اجتماعية أو سياسية

– انفعال بمشهد ما أدى إلى تأثر عاطفي وجداني، وعليه فإن آفاق العمل المسرحي واسعة سعة السماوات والأرضين أمام الكاتب.

 

2- التطوير:

وهو تحويل الفكرة إلى نص مسرحي مكتوب، فمن مجرد جملة واحدة مختصرة يمكن أن نوسع مدى الرؤية إلى فقرة ثم عدة فقرات تصبح مشهدا، فالعمل المسرحي لمحدودية زمان ومكان عرضه يجب ألا يزيد عن ستة مشاهد فقط.

 

3- تحديد الحبكة:

(التسلسل الزمني للأحداث) من بداية إلى وسط إلى خاتمة، وأحيانا قد يكسر كاتب النص من هذه الرتابة فيقدم ويؤخر، فيكتب الأحداث من نهايتها ثم يزحف نحو البداية عن طريق “الفلاش باك”، وحتى تكون الحبكة منطقية يجب أن تكون الأحداث منطقية يمكن حدوث ما يماثلها على أرض الواقع في واقعنا اليومي، بعيداً عن الشطحات المخالفة لنواميس الكون، كما يجب أن تكون الشخصيات عادية يمكن وجود ما يشبهها في كل حارة.

 

 4- الشخصيات:

(أدوارها وخصائصها الشكلية والنفسية، والممثل البارع من يستطيع تمثيل الشخصيات شديدة التعقيد كالدراويش والمصابين بالتوحد والمجرمين الذين لديهم أكثر من وجه.

 

5 – الحوار:

(النص الذي سيقوله الممثلون) وهو عنصر أساسي لعرض المسرحية خلافا للسرد في تطوير الحبكة القصصية، ومع الحوار الذي يجري بين الناس بمختلف مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والثقافية حسب موقعهم بين طبقات المجتمع.

 

6 – المكان والزمان:

(إطار القصة) وهو زمن محدود يجب ألا يتجاوز ساعتين هما زمن العرض المسرحي وفي مكان محدود جدا في المساحة وهو خشبة المسرح 

الشخصيات الرئيسية والثانوية في المسرحية، ولكل واحد دور ومدة ظهور قد تطول أو تقصر

وبعد لعلنا بذلك نكون قد أشرنا لأهم عناصر بناء المسرحية.

 

للمزيد..

 

خطوات بناء العمل المسرحي

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي