
حين ينكسر الرجال بصمت.. يدفع الأطفال الثمن
لا تنتظروا أن يسيل الدم لتكتشفوا أن الرجل كان يصرخ من الداخل.
في إحدى قرى محافظة المنوفية، وقعت جريمة لا تصدق، طفلان صغيران، حسن ومريم، خرجا من درس تحفيظ القرآن ولم يعودا إلى أحضان والدتهما.
لم يخطفهما غريب، ولم يغادرا القرية، بل فقدا حياتهما على يد أقرب الناس إليهما: والدهما.

أب أنهى حياة طفليه بدم بارد، ثم جلس كأن شيئًا لم يكن.
المجتمع صُدم.. الكل تساءل: كيف يحدث هذا؟
لكن السؤال الأهم الذي لم يُطرح بجدية هو:
لماذا يحدث هذا؟ وما الذي يجعل الأب يتحول إلى قاتل؟
الجريمة لا تُغتفر..
لا مبرر على وجه الأرض يبيح لإنسان أن يقتل أبناءه.
لكن إذا اكتفينا بالغضب والذهول، وتوقفنا عند حدود الصدمة، فإننا نترك أبوابًا كثيرة مفتوحة أمام تكرار المأساة.
الجريمة هنا ليست حادثة فردية، بل نتيجة حتمية لعدة دوائر من الإهمال والتجاهل والسكوت الطويل.
ليس الأب وحده المسؤول..
الأب هو القاتل، نعم، لكن هناك أطرافًا أخرى كانت غائبة حين كان يجب أن تكون حاضرة..
زوجة ربما انسحبت من المشهد بعد الانفصال دون أن تتابع الحالة النفسية لزوجها السابق.
قانون الحضانة والرؤية الذي يُلزم الأطفال بالزيارة دون ضمان لحمايتهم النفسية.
محيط أسري قد يكون رأى علامات الخطر وسكت عنها.
مجتمع كامل لا يلتفت لمعاناة الرجال، ولا ينظر إلى صحتهم النفسية باعتبارها جزءًا من أمن الأسرة.
هكذا تُرتكب الجرائم، لا دائمًا بسكين، ولكن بالصمت الطويل.
لماذا ينكسر الرجال؟
في مجتمعاتنا، لا يُربى الرجل على التعبير، بل على الكبت.
لا يُسمح له بأن يقول “أنا خائف”، أو “أنا مكسور”، أو “أنا بحاجة إلى مساعدة”. فيُدفن كل شيء بداخله، حتى يتراكم ويضغط وينفجر. والكارثة أن هذا الانفجار لا يصيب الرجل وحده، بل يصيب كل من حوله، وغالبًا ما يكون الأبناء أول من يدفعون الثمن عندما نسكت عن الألم.
الصمت لا يحمي، بل يقتل.
كل رجل لا يجد من يسمعه، هو مشروع مأساة مؤجلة.
وكل أسرة تنهار بصمت، دون تدخل أو متابعة، قد تُصبح عنوانًا لحادثة مؤلمة نقرؤها بعد فوات الأوان.
الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة أسرية واجتماعية.
ومتابعة حالة الأب بعد الانفصال ليست ترفًا، بل مسؤولية تربوية.
هذه ليست الجريمة الأولى.. ولن تكون الأخيرة.
طالما استمر تجاهل تصدع الأسر، وتغييب الدعم النفسي، وغياب التقييم الفعلي للأهل بعد الانفصال، فإن المجتمع سيبقى عاجزًا أمام مشهد متكرر:
رجل ينهار، وأطفال يموتون.

ماذا نحتاج؟
نحتاج إلى خطوات واضحة، تبدأ من الاعتراف بأن هناك خللاً حقيقيًا:
قانون يربط الحضانة والرؤية بسلامة الطرفين نفسيًا واجتماعيًا.
دعم نفسي حقيقي للرجال، خاصة بعد الانفصال.
متابعة دورية لحالة الأطفال النفسية عند انتقالهم بين منزلين.
كسر الصورة النمطية التي تساوي الرجولة بالصمت والقسوة.
في الختام..
إن الأب الذي قتل أبناءه مجرم، ولا جدال في ذلك.
لكن الجريمة لم تبدأ لحظة وقوعها، بل بدأت عندما كُسر الرجل بصمت، وعندما لم يسمعه أحد، ولم يمد له أحد يده قبل السقوط.
الطفلان لم يموتا فقط بسكين، بل ماتا نتيجة لتصدع كامل في بنيان الأسرة والمجتمع.
وإذا لم نتحرك الآن، فسنستمر في كتابة مقالات عن مآسٍ جديدة، بنفس العناوين، لنفس الأسباب.













