أدبيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

“أطياف”سردية الذاكرة والمنفى، ومقاومة الكلمة في وجه التلاشي

قراءة تحليلية للأكاديمية بقلم: د. وسام الخالدي- العراق

بقلم: د. وسام الخالدي- العراق

 

 

لقد تمكنت الكاتبة وفاء شاهر داري أن تكتب بنبض القلب ودمع العين، وتنسج من حكايا الألم الفلسطيني سردًا يمتزج فيه الذاتي بالجمعي، والوجداني بالتاريخي، ليغدو النص أشبه بمناجاة طويلة مع الذاكرة والغياب.

 

ليست “أطياف” مجرّد حكاية تُروى، بل هي صوت داخلي يخرج من عمق الروح، يتلوّى بين ثنايا الأسى، ويبحث عن معنى للوجود وسط غبار النكبة، وتشققات المنفى، وجراح الوطن. إنّ الرواية تسير بالقارئ في دروب محاطة بالحنين، حيث تنبعث الأشباح من بين حروف النص، لا لتثير الرعب، بل لتوقظ ما تبقّى في الإنسان من التوق والانتماء.

 

ففي هذه الرواية، تتخذ الكاتبة من الصحافة والكلمة منبرًا للمقاومة، ومن المرأة الفلسطينية تجسيدًا للذاكرة الحية.من خلال شخصيات الرواية، وعلى رأسها “أطياف”، لا تتحرك في فضاء خارجي فحسب، بل تنغمس في عمق ذاتها، متصارعة مع الخوف، والخذلان، والفقد، وفي الوقت ذاته، باحثة عن ومضة أمل لا تخبو. تتناثر تفاصيل الحكاية على وقع الفقد: فقدان الأحبة، فقدان المكان، وفقدان الطمأنينة، إلا أن الرواية لا تنغمس في السوداوية، بل تلمع فيها ومضات إنسانية دافئة، تبعث على التماسك رغم الانهيار، والانبعاث رغم الموت الرمزي.

 

لقد امتازت اللغة في الرواية برهافة شعرية واضحة، تتقاطع فيها الجملة المكثفة مع الوصف الدقيق، وتتفجر المشاعر في كل سطر دون أن تنزلق إلى الميلودراما. توظف الكاتبة الزمن بطريقة غير خطية، فينتقل السرد بين الذاكرة والحاضر، ويعيد تشكيل الزمن الروائي بما يتلاءم مع تشظي الشخصية الفلسطينية ومعاناتها.

 

وكأن النص يعيش خارج الزمن، أو داخل زمن خاص يتشكل من الحنين والتذكر والتشظي. الشخصيات في الرواية لا تعيش فقط في الخارج، بل في الداخل المتصدّع، وهي ليست فقط نماذج فردية، بل رموز لجيلٍ بأكمله عاش المنفى والاحتلال والنسيان القسري.

 

إذن “أطياف” ليست رواية تقليدية، بل عمل وجودي فني يحفر عميقًا في التكوين النفسي والروحي للإنسان الفلسطيني، امرأةً كانت أو رجلًا، ويُعيد تشكيل المشهد الروائي الفلسطيني برؤية حداثية حساسة. هي رواية تُكتب بالدمع والذكرى، وتُقرأ بالقلب لا بالعين وحدها، لأنها تلامس الجرح المفتوح وتعيد للذات الفلسطينية صوتها المقهور.

إنها طيف يمرّ على الذاكرة العربية، يوقظها من سباتها، ويعيد إليها حكايتها الكبرى التي حاول النسيان أن يُطفئها، لكنّ الرواية تشعلها من جديد، بكلمة، بصورة، بهمسة، وبأنين لم ينقطع بعد.

 

ومع كل صفحة تطويها في رواية “أطياف”، تشعر أن الكلمات ليست فقط وسيلة للتعبير، بل فعل مقاومة صامت، ونبض يتحدى الغياب، واحتفاء بالهوية وهي تتلوى تحت وطأة المحو. فالكاتبة لا تكتب لتُخبر، بل تكتب لتُذكّر، لتُوجع، ولتمنح اللغة وظيفة أسمى من الحكي، وهي ترميم ما تكسر في الروح تحت ضغط المنفى والشتات. فالرواية تصنع من كل تفصيل -صورة، حوار، ذكرى- جسرًا يعيد الشخصيات إلى جذورٍ اقتُلعت منها قسرًا، ولكنها لا تزال تنبض تحت التراب، مثل وطن لم يمت وإن طمسته الجرافات.

 

وتُجيد وفاء شاهر داري فن الإصغاء للوجع الفلسطيني الداخلي؛ ذاك الذي لا يُقال في نشرات الأخبار، ولا تلتقطه عدسات الصحافة، بل يختبئ خلف الأبواب الموصدة، في دمعة أم، في تنهيدة عاشقة، في رسالة لم تصل، وفي وردة جافة بين دفتي كتاب.

 

“أطياف” رواية تتحدث بلسان المهمَّشين، الذين لا يملكون صوتًا على المنابر، لكنها تجعلهم أبطالًا بصمتهم، بحبهم العميق للحياة، برفضهم أن يتحولوا إلى مجرد أرقام في لائحة الضحايا. إنها تقدم الإنسان الفلسطيني في تعقيداته الكاملة، لا كمجرد ضحية، بل ككائن مليء بالتناقضات، يعشق رغم الحصار، ويحلم رغم التشريد، ويكتب رغم المنع، ويصمد رغم الخذلان.

 

فالرواية تشبه وشمًا على الذاكرة، لا يُمحى مهما طال الغياب، ومهما تعاقبت الفصول. إنها قصيدة نثرية طويلة، كتبتها الروح لا اليد، وجعلت من الألم مادة إبداع، ومن الفقد نداءً للثبات. من خلالها، نلمس كيف تتحول الرواية إلى بيتٍ بديل، إلى وطنٍ رمزي، يحتضن الشخصيات بعدما لفظها الواقع، ويمنحها صوتًا بعدما ابتلعها الصمت. وهنا، يبرز فعل الكتابة ذاته كخلاص، كفعل حرية، كملاذ لا تُدركه يد المحتل ولا تطاله رقابة الخوف.

 

وعليه فان رواية “أطياف” كانت حالة شعورية، تجربة وجودية، ووثيقة وجدانية صادقة، تُعيد تشكيل المعنى في زمن الضياع، وتمنح القارئ ما يشبه المرآة التي يرى فيها ذاته من خلال الآخر الفلسطيني، الذي يشبهه في ألمه وإن اختلفت الجغرافيا. وفي نهاية المطاف، تترك الرواية أثرًا لا يُمحى، ليس لأنها قالت ما لم يُقل فحسب، بل لأنها قالته بجمال، بصدق، وبلغةٍ تعرف كيف تحوّل الجرح إلى لؤلؤة، والوجع إلى نشيد.

 

وفي ختام هذا النص المتوهّج بالشجن، تظلّ “أطياف” شاهدة على أن الكلمة، حين تخرج من قلبٍ يعرف الحقيقة، تقدر أن تحمي الذاكرة من التآكل، وتعيد رسم الملامح في زمن التشويه. إنّها رواية لا تُقرأ لتُنسى، بل لتُقيم طويلًا في وجدان القارئ، تُوقظ فيه ما خمد من شعور، وتُذكّره بأنّ الوطن قد يُغتصب جغرافيًا، لكنّه يبقى خالدًا في الحبر، في الحكاية، وفي الطيف الذي لا يبرح الذاكرة.

 

لقد كتبت وفاء شاهر داري رواية ليست كسائر الروايات، بل أقرب إلى صلاةٍ خافتة تُرفع في ليلٍ طويل، من أجل أن يبقى النبض فلسطينيًّا، والكرامة حيّة، والاسم محفوظًا في سِفرِ الأمل الأبدي.

عبير سعد

عبير طه سعد رمضان كاتبة صحفية بجريدة العدد الأول مواليد محافظة دمياط في الثامن من فبراير لعام ١٩٨٤ م. حاصلة على ليسانس آداب قسم لغة فرنسية جامعة المنصورة عام ٢٠٠٥م.☆ أعمالها السابقة..* شاركت في العديد من الأعمال الأدبية المجمعة في مجالات القصة القصيرة، الشعر الحر، الخواطر النثرية، والقصة القصيرة جدًا، مع العديد من المجموعات المهتمة بالأدب العربي.* مجموعة قصصية تحت عنوان "في ظل الشجرة" عن دار الزيات للنشر والتوزيع نُشرت عام ٢٠٢٣ م.* مجموعة قصصية تحت عنوان "نسل الدجال" عن دار الزيات للنشر والتوزيع نُشرت عام ٢٠٢٤ م.* كتاب خواطر نثرية، تحت عنوان "عزف حُر"، عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع نُشرت عام ٢٠٢٤ م.* مجموعة قصصية تحت عنوان "بنات القمر" عن دار الزيات للنشر والتوزيع نُشرت عام ٢٠٢٥ م.تهتم بالكتابة الأدبية بكل أنواعها النثرية والشعرية إلى جانب المقالات في كل المجالات
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي