مصالحة المساء

مصالحة المساء
الكاتبة: أسما سعفان
حينَ انقضى اليومُ وحلَّ المساءُ،
هدأتِ الأصواتُ، وسكنتِ الحكاياتُ،
وبدأتِ النفسُ تهمسُ لنفسِها بما لم يُقَلْ.
فالمساءُ لحظةُ مُصالحةٍ…
مُصالحةٌ مع القلبِ المُتعبِ، والرُّوحِ التي خاضتْ معاركَ صامتةً طوالَ النَّهارِ.
في المساءِ، تقتربُ الذكرياتُ،
ويمرُّ شريطُ اللحظاتِ أمامَ العينِ بلا استئذانٍ.
نحنُ في المساءِ أصدقُ، وأكثرُ قربًا من أنفسِنا…
نُراجِعُ ما فعلناهُ، وما تمنَّيناهُ، وما لم نستطعْ قولَهُ.
هو وقتٌ تنطفئُ فيه الضوضاءُ، ليعلو صوتُ القلبِ،
ويظهرُ وجهُ اللّهفةِ، وحنينٌ لا نعرفُ مصدرَهُ.
علِّمْنا أيُّها الليلُ كيف نُطفئُ حزنَ الأمسِ،
ونغسلُ أرواحَنا من تعبِ الساعاتِ الطويلةِ،
علِّمْنا أنَّ السكونَ ليسَ ضعفًا، بل راحةٌ،
وأنَّ البكاءَ أحيانًا شجاعةٌ،
وأنَّ كلَّ ما ننتظرُهُ سيأتي، فقط حينَ نهدأُ ونُسلِّمَ الأمرَ لِصاحبِ الأمرِ.
حينَ يحلُّ المساءُ، نحتاجُ حِضنًا من الكلماتِ،
نحتاجُ دعوةً صادقةً، وهمسةَ طمأنينةٍ، ونفسًا تقولُ:
“لقد مرَّ هذا اليومُ، كما ستمرُّ كلُّ الأيامِ… وما كتبَهُ اللهُ خيرٌ.”
فليكنْ هذا المساءُ مساحةَ سلامٍ،
نُرتِّبُ فيه فوضانا، ونستودِعُ اللهَ كلَّ ما لا نستطيعُ إصلاحَهُ…
ولنَنَمْ على أملٍ، لا ينكسرْ.
وداعًا لكلِّ الأشياءِ التي أثقلتْ رُوحي ولم تكنْ لي.
وداعًا لكلِّ شعورٍ كسرني، ولكلِّ خوفٍ قيَّدني،
لكلِّ صوتٍ داخليٍّ شكَّك في نوري، وجرَّني للظلامِ.
وداعًا للتردُّدِ، للقلقِ، للانتظارِ الطويلِ الذي ما عاد يُثمِرْ.
وداعًا لكلِّ علاقةٍ استهلكتْ قلبي ولم تُزهِرْ حبًّا،
لكلِّ يومٍ عشتُ فيهِ بنصفِ نفسٍ، ونصفِ أملٍ.
اليومَ أقولُها من أعماقي: وداعًا… لا بُكاءَ بعدها، ولا عودةَ.
سأتركُ خلفي ما أرهقني، وأمضي خفيفًا نحوَ ما أستحقُّ.
فالحياةُ قصيرةٌ، والرُّوحُ أمانةٌ…
ولا وقتَ يُهدَرُ في احتضانِ الألمِ.
وداعًا لكلِّ شيءٍ سيِّئٍ… ومرحبًا بالسلامِ، بالطُّمأنينةِ،
مرحبًا بنفسي كما تستحقُّ











