
” فخ العطاء ”
بقلم.. السيد الخضري
في زوايا النفس البشرية ، ثمة أرواح خُلقت لتضيء دروب الآخرين بينما تتآكل في صمت. أرواح جعلت من الألم معراجًا للسمو ، ومن التضحية وسادة للراحة ، لا لنفسها ، بل لغيرها . يُولد بعض الناس وكأنهم كُتِبوا على هامش السعادة ، يعيشون بظهرٍ منحنٍ ليقِيم عليه الآخرون أفراحهم .
هؤلاء ليسوا ملائكة ، ولا أنبياء ، بل هم بشر.. غير أنهم سقطوا في فخ العطاء حين تجاوز حده ، فصار عبئًا لا رسالة ، وألمًا لا فضيلة. عقدة الاستشهاد من أجل الآخرين في الحياة ليست نُبلًا دائمًا ، بل قيدًا مطليًا بالذهب . من اعتاد أن يُضحي دومًا ليهنأ غيره، نسي أو أنسوه أن الحياة ليست منفى ، وأن للذات حقًا في الراحة ، ونصيب من النعم .
ليس كل تعبٍ بطولة ، ولا كل تضحية مجد . والمرء إذا أهمل ذاته باسم الإيثار ، صار صدى بلا صوت، ومرآة بلا صورة
فيا من تسكنك عُقدة العطاء الأعمى ، تذكّر : ولا تُرهق نفسك لتُقيم أعراس الراحة لغيرك وأنت لا تملك حتى مقعدًا تجلس عليه . لا تجعل من تعبك سُلّمًا لراحة غيرك، ثم تُدفن وأنت على قيد الحياة ، باسم الحب أو النُبل أو الكرم.
كن نهرًا ، نعم، ولكن لا تسمح أن تُختزل في قطرة على شفاه عطشى لا تعرف كيف تسقيك .فالتضحية حين لا تُوزَن بحكمة وعدل ، تتحوّل من نور إلى نار… ومن فضيلة إلى نقيضها .
إن الذين أدمنوا العطاء المفرط حتى نَسُوا أنفسهم ، لتتذكّروا قول الله جلّ وعلا : “ولا تنسَ نصيبك من الدنيا” فهي ليست دار فناء فحسب ، بل مَطِيّة للخير ، ومَزرعة للفرح، ومَوضعُ راحةٍ لمن عرف كيف يُنصف نفسه . الدنيا ليست رجسًا إذا عشتها بوعي ، وليست دنيئة إذا منحت قلبك فيها حقّه من الطمأنينة والبهجة والسعادة والسرور .
نصيب الإنسان من دنياه ليس مالاً فقط، بل لحظة دفء ، ضحكة صادقة ، وقتٌ تهديه لنفسك بلا ذنب ، فسحة من السكون بين ضجيج المسؤوليات ، لقاءٌ مع مَن يُحبك لا لِما تفعل ، بل لِما أنت عليه. نصيبك من الدنيا هو كرامة راحتك ، ورفقك بذاتك ، وسَعيك ألا تكون دائمًا في الصف الأخير من أولوياتك .
مخطئ مَن ظن أن النُبل هو أن تُشعل الآخرين وتحترق ، ويا من خُدع بأن التضحية بلا قيد هي السمو ” تأر قليلا ” فليس من المروءة ظلم الإنسان لنفسه ، والطيبة التي تذل صاحبها ليست طُهرًا ، بل غفلة تحتاج إلى يقظة.
امنح نفسك حقها، وسِر في الأرض هَوْنًا، لكن لا تمسح ذاتك باسم الحياء ، ولا تُطأطئ روحك باسم العطاء . فالله ما خلقك لتكون ظلًا . بل نورًا.. ولا مرآةً لفرح الناس فقط ، بل وجهًا مبتسمًا لفرحك أنت أولًا .
لتجعل من حياتك مزيجًا بين الرحمة بالناس.. والرحمة بالنفس ، واذكر دائمًا : “ولا تنسَ نصيبك ” فهي وصية إلهية ، وعدلٌ رباني يُعيدك إليك حين تُوشك أن تضيع في الزحام .













