أدبي

كتاب الرسالة القشيرية

أبو القاسم القشيري وتعقيب ابن تيمية عليها

كتاب “الرسالة القشيرية”

أبو القاسم القشيري

 وتعقيب ابن تيمية عليها

الكاتبة: سماح محمد 

تُعد الرسالة القشيرية من أعظم ما أُلِّف في باب الرقائق والتصوف السُّني المعتدل، وهي من تصنيف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الشافعي، وقد قسّمها إلى أربعة وخمسين باباً، وثلاثة فصول.

تميّز هذا الكتاب بعنايته بجانبين رئيسيين:

1. الجانب الأول: عرض سير رجال السلوك وأقوالهم، وذكر كثير من أعلام التصوف.

2. الجانب الثاني: بيان مبادئ السلوك الصوفي ومناهجه، بأسلوب تربوي وروحي.

وقد نال هذا الكتاب عناية كبيرة في العصر الحديث، حيث قام بتحقيقه عدد من العلماء، من أبرزهم الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود. أما النسخة التي أقتنيها فهي بتحقيق الدكتور هاني الحاج، وقد كانت متميزة بالنسبة لي؛ إذ تضمّنت إضافات مفيدة تتعلق بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة، وهو ما يُعد لافتاً؛ لا سيما أن المتداول عن ابن تيمية أنه كان معارضاً للتصوف.

ولكن، هل كان ابن تيمية فعلاً يكره التصوف وأهله كما يُشاع؟

الحقيقة أعمق من ذلك وأكثر توازناً.

لقد حرص ابن تيمية على بيان حقيقة التصوف، مميزاً بين أصله النقيّ المنضبط بالكتاب والسنة، والانحرافات التي طرأت عليه لاحقاً. ويمكن تلخيص موقفه من التصوف في أمرين رئيسيين:

1. احترامه للتصوف السني: فقد أبدى تقديراً بالغاً للمتقدمين من أهل التصوف، كالجُنيد، والفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، الذين قيدوا أقوالهم وأحوالهم بالوحي والاتباع، لا بالذوق والانحراف.

2. نقده للانحرافات المتأخرة: حيث رفض ابن تيمية بشدة ما دخل التصوف من بدع، كالاتحاد والحلول والغلوّ في الأشخاص، والانفلات عن ضوابط الشريعة.

ومن هذا المنطلق، لم يكن غريباً أن يطالع ابن تيمية الرسالة القشيرية ويُبدي ملاحظاته عليها، لا سيما في كتابه الاستقامة، حيث علّق على بعض أبواب الرسالة، مثل باب “الرضا”، منتقداً بعض العبارات التي رأى أنها تخالف منهج السلف أو توهم معاني لا تليق.

ومع ذلك، لم يُنكر قيمة الرسالة، بل وصفها بأنها كتاب مفيد في الجملة، وبيّن أنها تشتمل على جملة من المعاني الجليلة والتوجيهات النقية في باب التزكية والتهذيب، محذّراً في الوقت ذاته من بعض الأقوال التي قد يُفهم منها معنى خاطئ أو مخالف للشرع.

ومن المهم الإشارة إلى أن القشيري نفسه كان متكلماً أشعرياً، وقد مزج بين علم الكلام والتصوف، وهو ما كان محل نقد من قبل ابن تيمية، الذي كان يرى أن الخوض في الكلام قد أفسد على كثير من المتصوفة نقاء منهجهم الأول.

الخلاصة :

الرسالة القشيرية كتاب عظيم في باب التصوف السني، يجمع بين عمق التربية الروحية وثراء التجربة الصوفية المعتدلة، مع التحذير من الغلو والانحراف. وموقف ابن تيمية منه لم يكن رفضاً.

آنابيل لى سماح محم

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي