مقالات متنوعة
أخر الأخبار

 عندما تصبح كرة القدم احتياج بيولوجي ونفسي للرجال

 

عندما يترك زوجك البيت من أجل مشاهد مباراة كرة قدم هو “مش بيهرب منك.. ده بيجري ورا فرحته”

توصلت معي إحدى الزوجات وأرسلت صورة زوجها على المقهى الساعة ٤ صباحًا وقالت هذا هو من يعود متعبًا ويريد النوم باكرًا.

خلال بطولة كأس العالم للأندية، لفت نظري تعقيب الزوجات على ذلك، ولاحظت كثير من الزوجات أن أزواجهن كانوا يسهرون الليل لمتابعة المباريات، خاصة مباريات الأهلي.

ورغم أن فرق التوقيت جعلها تُعرض فجرًا، لم يتذمر أغلبهم، ولم يقل أحدهم “تعبان” أو “عايز أنام”، بل كان يسهر مستمتعًا، يصرخ بحماس، ثم يذهب في الصباح إلى عمله كأن شيئًا لم يكن.

 

لأنه ببساطة أخذ جرعة من السعادة حفّزت جهازه العصبي، وأنعشت روحه، وشحنته بطاقة قد لا نجد لها تفسيرًا إلا في كلمة واحدة “الانتماء”.

 

لفتني هذا المشهد المتكرر.. رجل منهك يعود من عمله بالكاد يرفع رأسه، لكن حين تبدأ المباراة، يستيقظ داخله طفل صغير يُصفّق، ويهتف، ويتفاعل.

بعض الزوجات التقطن صورًا لأزواجهن على القهوة حتى الخامسة صباحًا يشاهدون المباراة مع أصدقائهم، لا هربًا من البيت، بل بحثًا عن لحظة تملؤهم بالحياة. أو حتى عندما يؤجل معك مشوار ويجلس فى المنزل يشاهد مباراة فهذا ليس تجاهل أو إهمال لكِ ولكنه تنفيس لنفسه لإسعاد نفسه.

 

فهل هو هروب؟

 

أم أن هذه اللحظات التي لا نفهمها كنساء هي ببساطة موسم فرح رجالي لا نملك مفاتيحه؟

لمَ لا نفهم أن صيحاته في وجه الشاشة ليست ضدكِ.. بل لأجله؟

وإن لم تستطيعي أن تشاركيه هوياته واهتماماته ولحظات فرحه، فعلى الأقل لا تحاولي إفسادها.

 

دائمًا ما يبحث الإنسان عما يحفّز بداخله هرمونات السعادة والانتماء والنجاح، وكلما وجد وسيلة طبيعية تفعل ذلك، تمسك بها بشدة.

أما الرجال، فغالبًا ما يجدون هذا التحفيز في شيء واحد مشترك عبر الأجيال.. كرة القدم.

 

هل شعرتِ يومًا بحماسه الحقيقي وهو يصرخ من قلبه: “جــــــوووون!”؟

هل رأيتِ في عينيه وهج الانتصار، وكأنه هو من سجّل الهدف؟

هذا الإنفعال لا يحدث صدفة، بل وراءه علم ودوافع أعمق بكثير مما نظن.

 

 لماذا يعشقها البنون والرجال والشباب؟

منذ الطفولة، يجد الأولاد في كرة القدم مساحة آمنة للتعبير عن أنفسهم، وبمرور الوقت تتحول إلى وسيلة لإثبات الذات والتفوق.

للشعور بالانتماء الجماعي.

للهروب من الضغوط دون الحاجة للكلام.

 

دراسات عديدة أكدت أن الذكور يميلون أكثر إلى التعبير غير اللفظي عن مشاعرهم، ويفضّلون الأنشطة التي تُشعل لديهم التنافس والتحفيز.

وما الذي يفعل كل ذلك دفعة واحدة مثل كرة القدم؟

 

 حين تتحول الكرة إلى احتياج عصبي

 

وفق دراسة منشورة في Frontiers in Psychology (2021)، فإن مشاهدة مباريات كرة القدم تُنشّط ما يُعرف بالخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)، وهي المسؤولة عن جعل الدماغ يتفاعل مع ما يراه كما لو كان يفعله.

النتيجة أن المشجع يشعر وكأنه داخل المباراة، يركض ويحرز الأهداف بنفسه، لا مجرد مشاهد سلبي.

 

 التحفيز البيولوجي.. ماذا يحدث في أجسادهم؟

 

البحوث الحديثة أثبتت أن مباريات الكرة تحفّز كيمياء المخ والجسم لدى الرجال حيث يرتفع الدوبامين (هرمون المتعة والمكافأة) عند الإثارة الحركية، مثل الأهداف والمراوغات.

 

ويزداد هرمون التستوستيرون عند فوز الفريق المفضل، مما يعزز الثقة والشعور بالقوة، دراسة من جامعة بوفالو (2000) أثبتت أن التستوستيرون يرتفع بنسبة تصل إلى 30% بعد الانتصار.

يتأرجح الكورتيزول (هرمون التوتر) خلال اللحظات الحرجة في المباراة، مما يضع الجسم في حالة تأهب قصوى، وكأنها معركة مصيرية.

 

أي أن المشاهدة، من منظور الجسم والعقل، ليست راحة أو كسلًا، بل تجربة حقيقية محفزة بيولوجيًا تشبه الأداء الرياضي الفعلي.

 

 لماذا يفضل الرجال القهوة والمشاهدة الجماعية؟

 

الأمر لا يتعلق فقط بالمكان، بل بـالسياق النفسي والاجتماعي الذي توفره المقاهي:

 

الرجال غالبًا لا يُجيدون التعبير اللفظي عن مشاعرهم، لكنهم يُخرجونها ضمن سياقات مثل التشجيع الجماعي، الصراخ، تحليل الأداء.

 

دراسة من جامعة ليدز (2017) وصفت هذه الحالة بـ”التنظيم العاطفي الجماعي”، حيث تساعد الجلسة المشتركة على تخفيف التوتر وبناء رابطة غير مباشرة بين المشاركين.

 

وجود الأصدقاء والتفاعل اللحظي يُشعر الرجل بالانتماء والأمان، ويمنحه متنفسًا نفسيًا لا يتوفر أحيانًا داخل جدران البيت.

 

 هل هذا يعني أنه يُفضل الكرة على زوجته؟

 

الإجابة ببساطة: لا.

لكنه فقط يُخاطَب في تلك اللحظات بجانب نفسي وبيولوجي لا يتم تحفيزه بنفس القوة داخل المنزل.

كرة القدم تمنحه:

 

فرصة للتنفيس العاطفي بطريقة مقبولة مجتمعيًا.

إحساسًا بالسيطرة والانتصار الرمزي.

راحة عقلية بعد يوم عمل مرهق دون الحاجة للكلام.

 كيف يمكن للزوجة احتواء هذا السلوك؟

 

لا تنظري إلى كرة القدم كمنافس، بل كـ”وسيلة للتفريغ” يعود بعدها أكثر هدوءًا واتزانًا.

 

تفهّمي أن هذه العادة ليست تهربًا منك، بل احتياج فطري، مدعوم بدراسات علمية.

 

تحدثي معه عن فريقه باهتمام، أو شاركيه لحظة فرح بسيطة عند الفوز، فهذه المساحة الصغيرة تفتح أبوابًا كبيرة في العلاقة.

 ختامًا..

الحب ليس تملّكًا.. والفهم أعمق من الغضب.

حين ندرك أن الرجل لا يخرج للمقهى ليهرب من البيت، بل ليهرب من داخله إلى لحظة انتصار رمزي تعيد إليه توازنه.

حينها فقط نكفّ عن محاكمته، ونبدأ في احتوائه.

ففي كل مرة يعود فيها من المباراة منتشيًا أو متألمًا، تذكّري أنه سيبقى يبحث عن ما يُسعده، لكنّه يعود دائمًا إلى من يفهمه.

فكوني له هذا الفهم.. تكوني له الوطن.

حاولي أن تشاركيه اهتماماته، اجلسي معه، شجعي فريقه وتفاعلي معه فهذا يزيد الترابط بينكم.

 

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي