مقالات متنوعة
أخر الأخبار

الثلاث طلقات.. والليلة الأخيرة في بيتي

قصة حقيقية من ذكريات الحرب في ليبيا

 

في بيتي الصغير داخل قاعدة جمال عبد الناصر الجوية، بمساكن عائلات الضباط والجنود في مدينة طبرق شرق ليبيا، كنت أعيش آخر ليلة هادئة قبل أن تعصف بي رياح الحرب.

 

سمعت طرقاً عنيفاً على الباب.. صراخاً، وتهديداً، وهتافات تُندد بسقوط النظام. سألتني الأصوات عن زوجي، فأجبتهم بأنه غير موجود. أسرعت بالاتصال به عبر المنظومة الداخلية للقاعدة، فكان رده:

“لا تفتحي لأحد.. لا تغادري المنزل.. انتظريني حتى أعود.”

 

مرّ اليوم ببطء قاتل، حتى جاء المساء، وظهر زوجي. ملامحه لا تُبشّر بالخير. قال لي بنبرة حاسمة:

“عليكِ مغادرة البلاد فوراً.. الحرب اقتربت.”

 

صرختُ من أعماقي باللهجة الليبية:

“اللي بينا بيك!”

أي: مصيرنا واحد… إما أن نعيش معاً أو نموت معاً.

 

في صباح اليوم التالي، غادر من جديد.. لكنه عاد عند الظهيرة، وفي يده مسدس. وضعه في كفّي المرتجف وقال:

“فيه ثلاث رصاصات.. اثنتان لبناتك.. وواحدة لكِ.. إن استطعتِ.”

 

نظرت إليه مذهولة. قلت:

“كيف أقتل بناتي ونفسي؟!”

أجابني بصوت مختنق:

“إن لم تفعلي.. سيفعلون بكم ما يشاؤون.. سيكون موتكم أشد.”

 

أنا التي تدربت في الكلية العسكرية على استخدام الأسلحة الخفيفة والثقيلة، لم أكن يوماً مستعدة لهدف كهذا.

 

وضعت المسدس جانباً وفي تلك الليلة الأخيرة، لم أنم.. بل جلست خلف الباب الداخلي للبيت، أترقب أي صوت أو حركة. بجانبي مسدسي، وبقربي أطفالي الأربعة – ولدان وبنتان – نائمين في صالة المنزل. أحتضنهم بعينيّ وقَلبي، والرعب يغمر كياني. كنت أفزع من مواء قطة فوق عريشة العنب في الحديقة، كأنها نذير خطر.

 

وفي الصباح، عاد زوجي مجدداً. هذه المرة قالها بوضوح:

“لم يتبقَ أحد بالقاعدة.. حتى الحراسات انسحبت. عليكِ المغادرة خلال نصف ساعة.. طبول الحرب قد دقت.

 

لم يكن لديّ وقت للتفكير مضت الدقائق ثقيلة. جمعت مستنداتنا، وصورنا، وحملت أطفالي. لن أنسى مشهد ابني الصغير وهو يبكي متشبثًا بزيّ أبيه العسكري وهو يبكي وفي أقل من نصف ساعة، كنا على الطريق نحو الحدود المصرية.

سيارة أمامنا تمهد الطريق، وأوامر صارمة بعدم التوقف لأي أحد.

 

قطعنا الطريق بين الحواجز والمسلحين. الرمال تسد الطرقات، والجماعات المسلحة في كل ناحية.

رأينا الدخان يتصاعد.. وكان أول صاروخ يضرب كتيبة أمن طبرق أمام أعيننا.

أغمضت عيون أبنائي بيدي، ومنهم من دفن وجهه في دبدوبه الصغير، حتى لا يرى أهوال الطريق.

 

وأخيراً.. وصلنا.

كانت هناك دبابة عند البوابة، وبجوارها ضابط مصري شهم قال لي باللهجة المصرية الدافئة:

“اهدي.. انتي في مصر.”

 

فانفجرتُ باكية.. وقلت له:

“زوجي.. قال لي قد لا نلتقي.”

فسأل: “قتل أحد؟”

قلت: “لا.”

قال: “هيكون بخير إن شاء الله.”

 

دخلت بوابة التفتيش، وإذا بي أتذكّر شيئاً في جيبي.. المسدس!

أخرجته بسرعة ووضعته في جيب أخي الذي كان ينتظرنا خلسه فسألني:

“إيه ده؟”

قلت: “أبدًا.. مجرد مسدس.”

وإذا بالضابط المصري يصيح:

“استنوا! استنوا! مسدس إيه؟! هاتوه!”

فأخذوه وسلموه للسائق العسكري الذي رافقنا دون مسائله ورجع به ومنذ تلك اللحظة.. بدأت حكايتنا في مصر.

عشنا فيها أربعة عشر عامًا، ولا ننسى أبدًا تلك الكلمات التي احتضنتني كأم مكسورة، كمقاتلة منهكة، كامرأة تبحث عن وطن:

“اهدي.. انتي في مصر.”

 

نُسافر اليوم حول العالم، لكننا دائمًا نعود..

نعود إلى أمّ الدنيا.

🇪🇬 مصر.. التي ضمّت رعبنا بطمأنينة، واحتضنت غربتنا كأم ثاني.

د. عبير جبر الأكوح

د. عبير جبر الأكوح، قائدة متميزة، تحمل بكالوريوس علوم عسكرية (1992) وبكالوريوس إدارة أعمال، إلى جانب دراسات متقدمة في القانون الدولي. تبوأت مناصب قيادية وأسست مؤسسات تعليمية وخيرية، وتشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "الأيدي الرحيمة" في المنطقة الشرقية بليبيا. لديها خبرة في الاستثمار العقاري وتحمل رخصًا مهنية من مصر وليبيا، كما أنها عضوة نشطة في مركز كيمت للتحكيم. شاركت في مؤتمرات دولية وإقليمية كبرى، أبرزها فعاليات جامعة الدول العربية ويوم القانون العالمي. تهتم بقضايا تمكين المرأة، وتمارس هوايات متنوعة تشمل الكتابة والرماية وركوب الخيل، ما يعكس شخصيتها المتكاملة والثرية. محررة صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي