
رغم ما حمله مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد من مواد مستحدثة وإصلاحات منتظرة، بقيت بعض القضايا الحسّاسة خارج إطار المعالجة الصريحة، وعلى رأسها: “قائمة المنقولات الزوجية”، التي باتت من أبرز أسباب النزاع القانوني والانقسام الأسري في حمصر خلال العقدين الأخيرين.
فـ”القايمة” التي بدأت كعرف اجتماعي يُقصد به حفظ حق المرأة عند الطلاق، تحوّلت في الواقع إلى سلاح قانوني قد يُسجن بسببه الزوج، دون تنظيم تشريعي واضح، وبعيدًا عن مبدأ التوازن والعدالة. ورغم ما تحمله من تبِعات اجتماعية وقانونية ونفسية خطيرة، لم يرد بشأنها أي نص صريح في القانون الجديد، لا بالإلغاء ولا بالتنظيم، وهو ما يُعدّ تغافلًا غير مبرر عن ملف يُؤثر في استقرار الأسرة والمجتمع.
ليست أزمة مطلقين فقط.. بل خوف يسبق الزواج
لم تعد القايمة مشكلة تظهر فقط وقت الطلاق أو النزاع، بل أصبحت حاجزًا نفسيًا يسبق الزواج نفسه.
كثير من الشباب يُحجم عن خطوة الزواج خوفًا من توقيع “ورقة” قد تنتهي به إلى السجن، في حال لم تسر الحياة الزوجية كما خُطط لها. أصبحت القايمة – للأسف – أداة قانونية مشروعة ظاهرًا، لكنها مفخخة واقعيًا، تُهدد الأمن القانوني والاجتماعي لكثير من الرجال، وتدفع بأُسرٍ بأكملها نحو الانهيار.
من منظور نفسي وتربوي
من زاوية نفسية وتربوية، القايمة الحالية تُكرّس علاقات مشحونة بالشك لا الثقة.
في الوقت الذي يُفترض فيه أن يبدأ الزواج بالحب والتفاهم، تبدأ علاقات كثيرة بورقة قانونية مشروطة تُشعر الطرفين وكأنهما في عقد تجاري لا حياة إنسانية. هذا يؤثر على الاستقرار النفسي، وصورة الزواج في أذهان الأبناء، ويؤسس لمنظومة أسرية هشّة قائمة على الخوف لا المشاركة.
تستند القايمة حاليًا إلى أحكام القانون المدني المصري، خاصة:
المادة (488) بشأن عقد الوديعة.
والمادة (341) من قانون العقوبات التي تنص على عقوبة التبديد، وتُستخدم في حالة “القايمة” عندما تُعتبر الزوجة مودِعة والزوج مُستلمًا للأمانة.
لكن حتى أحدث نسخة منشورة من مشروع قانون الأحوال الشخصية (2024-2025)، لا تتضمن أي مادة صريحة تنظم أو تلغي هذه المسألة، مما يجعلها في منطقة قانونية رمادية تفتقر للوضوح التشريعي وتفتح باب الاجتهادات والصراعات.
المقترح التشريعي..
الإلغاء الصريح للقايمة وتنظيم جديد للتجهيز
نقترح على المشرّعين ما يلي:
أولًا..
نص صريح بإلغاء قائمة المنقولات الزوجية
تُلغى القايمة كوثيقة قانونية ذات أثر جنائي أو مدني.
تُمنع ملاحقة الزوج قانونيًا على أساس قائمة منقولات، سواء كانت عرفية أو موقعة قبل الزواج أو بعده.
ثانيًا..
تنظيم تجهيز منزل الزوجية على أسس شرعية وعادلة
يلتزم الزوج بتجهيز مسكن الزوجية حسب استطاعته المادية، بما يكفل الحياة الكريمة للطرفين.
لا تُلزم الزوجة بأي تجهيزات مادية سوى ما تختاره لحاجاتها الشخصية فقط.
يُوثّق ذلك صراحة ضمن وثيقة الزواج الرسمية، كجزء لا يتجزأ من عقد الزواج.
ثالثًا: تقديم بدائل مدنية لحفظ الحقوق
يُتاح للطرفين توثيق الحقوق المالية والممتلكات المشتركة في عقد مدني اختياري، يحفظ الحقوق دون اللجوء للتجريم.
تشجَّع الوساطة والتحكيم الأسري قبل اللجوء إلى القضاء.
صيغة مقترحة لمادة قانونية
> “تُلغى قائمة المنقولات الزوجية وما يترتب عليها من آثار جنائية أو مدنية، ويُعد الزوج ملتزمًا بتجهيز مسكن الزوجية بما يتوافق مع استطاعته، دون إلزام الزوجة بإحضار أي تجهيزات سوى ما يخص حاجاتها الشخصية. ويُوثّق هذا الاتفاق ضمن وثيقة الزواج الرسمية، ويُعد جزءًا من العقد الموثق أمام الجهات المختصة. وتُمنع أي ملاحقة قانونية للزوج على أساس قايمة عرفية أو غير موثقة قانونيًا بعد نفاذ هذا القانون.”
في الختام..
إن استمرار تجاهل قانون الأحوال الشخصية لمسألة “القايمة” رغم تفجّر آثارها يوميًا في ساحات المحاكم وأروقة البيوت، هو ثغرة تشريعية كبرى يجب الالتفات إليها.
نحن لا نلغي حق المرأة، بل ندعو لتنظيمه بشكل إنساني وعادل، بعيدًا عن أدوات العقاب، وبما يحفظ للأسرة المصرية كيانها القائم على التفاهم والكرامة، لا التهديد والخصومة.
نطالب المشرّعين بنص قانوني واضح وصريح يُنهي هذا الملف نهائيًا، ويُعيد للزواج صورته الحقيقية كرباط مقدّس لا معاملة مالية.













