أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

هوامش غير قابلة للطي _ بقلم هبة محمد زغلول

"خدش على غلاف كتاب مُستعمل"

هوامش غير قابلة للطي

“خدش على غلاف كتاب مُستعمل”

بقلم: هبة محمد زغلول

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب
“خدش على غلاف كتاب مُستعمل”

في إحدى المكتبات العامة، حيث باتت القراءة الورقية بشكل عام فعلًا شبه مندثر، شدني لافته كُتب عليها “برجاء الصمت”…
اطمئن ياعزيزي، لقد تحقق المراد. لم يبق بين ممرات هذا المكان سوى الصمت.
لا أعلم تحديدًا عما أبحث.
وأمام أحد الرفوف، مررت أناملي بعشوائية على حواف الكتب الواقفة بشموخ عليه لا تبالي بغبار الزمان والنسيان المتراكم عليها.
ثم… توقفت أصابعي فجأة عند كتابٍ ما.

من أصدر أمر التوقف؟… كأن نغمة خفية انطفأت داخلي فجأة، وأشارت إليه.
لم ألتفت لعنوانه أو اسم مؤلفه، فقط تحسست غلافه الخشن وفتحت صفحاته، رائحة الورق القديم تفوح منه، توقظ ذكرى غامضة برأسي، ألمس الصفحات لا تضيء بذلك الضوء الأزرق البارد بشاشة هاتفي، ولكن تُومض زاوية بعيدة داخل قلبي، تشي بأشياءٍ قديمة، أشعر بها… ولا أتذكرها.

تراجعت خطوة.. خطوتين… هل عدت بقدمي أم بالزمن؟
جلست على كرسي مجاور، أقلب صفحاته.
تستوقني كلمات، أشعر أنني سمعتها يومًا، قالها لي أحدهم؟ أم قلتها له؟ لا أذكر.
وهنا يتجمد بصري تحديدًا عند سطرٍ مشطوب تحته بخفة، لم تكن تلك الصفحة وحدها، فهناك بقعه باهتة بصفحة أخرى.. هل ذرف أحدهم دمعته هنا؟
وتلك تحمل أثر شاي أو قهوة مسكوبة…
هل ارتجف قلبه بين الضلوع وهو يرى مخاوفه تتعرى من بين السطور؟
أتساءل: من قرأ قبلي؟ كم يد لمست الصفحة نفسها؟ وكم قلبًا حمل الندبة ذاتها؟

أغلقت الكتاب أتأمل تلك الخدوش على غلافه كإعلان عن معاركه التي خاضها بصمت، ربتُ عليه كما تُربت على كتف غريبٍ يتألم وهمست لعابر سبيل لا أعرفه مر قبلي:
“لا تقلق… لست وحدك، أنا أيضًا أشاركك الألم ذاته”
أعدته إلى مكانه بين الرفوف دون أن أترك أثرًا يثبت مروري… إلَّا لمن يفتحه فيصادف وجعي المتروك بين السطور
غادرت المكتبة، لتتلاقى ابتسامتي بابتسامة خافتة لشخصٍ آخر يتجه إلى الداخل.
راقبته والممرات المهجورة تبتلعه.
ترى… هل سنلتقي بين أغلفة كتابٍ آخر؟

الحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة… بل في الفُتات، في الصمت، وفي العادي جدًا..

 

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي