حين تصير الكلمة حياة
رواية”حدث ذات شتاء” للدكتور عمر العامري، هنا تبدأ الحِكاية، حِكاية إنسان
بقلم. مروة حمدي
في كل زمنٍ، يولد إنسانٌ يحمل رسالة، كأن القدر وضع في قلبه بذرة لا تنبت إلا إذا سقَاها بالشغف، ورعاها بالصبر، وواجه في سبيلها كل عواصف الحياة.
في زحام هذا العالم، حيث تضيع الأصوات في ضجيج الركض وراء المجهول، ظهر عمر العامري؛ لا ليكون مجرد كاتب، بل ليصبح صوتًا يذكّرنا بأن الأدب ليس ترفًا، بل حياة تُعاش بالحرف، وتتنفّس بالمعنى.
من يلتقِه لأول مرة يدرك أن وراء ملامحه الهادئة بحرًا عميقًا من الأفكار، وأن خلف ابتسامته أسئلة تبحث عن يقين. لم يأتِ العامري إلى الكتابة بحثًا عن مجدٍ سريع، ولا ليلمع اسمه في سماء الشهرة، بل جاء محمّلًا بشغف قديم؛ شغف من يرى في الكلمة نافذة تُطل على عوالم أرحب من ضيق اللحظة، وأوسع من قيود الواقع.
في إحدى مقابلاته، قال بابتسامة عميقة:
“أنا لا أكتب لأهزم الواقع، بل لأحرره من قيوده.”
تلك العبارة لم تكن شعارًا يردّده، بل كانت فلسفةً تتسرب إلى كل كتاباته، إلى رواياته التي كسرت الحدود، وتجاوزت فكرة المكان. لم يضع على خرائطه مدنًا، ولم يقيّد قصصه بأسماء أزقة أو جغرافيا ثابتة، لأنه كان يؤمن أن القصة حين تحيا في قلب الإنسان، لا تحتاج إلى عنوان شارع. قال يومًا:
“المكان يقيّد الحكاية، أما الإنسان فهو الحكاية ذاتها.”
من “مجرد حلم” إلى عالم بلا حدود
كانت البداية عام 2015، حين صدرت مجموعته الأولى «مجرد حلم». حلمٌ صغير تحوّل مع الوقت إلى مشروع حياة، إلى رحلة جمعت بين الرواية والقصة القصيرة، فأثمرت خمس مجموعات قصصية، وسبع روايات حملت بين سطورها مزيجًا من الحلم والوجع والأسئلة الكبرى.
من بين رواياته البارزة:
«فرينش فانيلا»
«آسف لا تكفي»
«حدث ذات شتاء»
«آه لو تعلم»
هذه العناوين لم تكن مجرد أسماء تتصدّر أغلفة الكتب، بل كانت نوافذ على عوالم مختلفة، رسمها العامري بحسّ إنساني عميق، كاشفًا من خلالها ملامح النفس البشرية، وتناقضاتها، وحلمها الأزلي بالحرية والحب والحياة.
حين تتحول الكلمة إلى حياة
الكتابة لم تكن حدوده، ولم يرضَ لها أن تكون سجنه الجميل. ففي ديسمبر 2021، أسس دار «عالم تمكين»، لا لتكون مجرد مؤسسة نشر، بل لتكون جسرًا يصل الإنسان بالكلمة، ومساحة يتقاطع فيها الأدب مع الفعل الإنساني.
ومن هذا الجسر وُلد مشروعه الأجمل: «لستِ وحدكِ». مشروع لم يكن كتابًا يُضاف إلى رفوف المكتبات، بل كان رحلة استثنائية جمعت أمهات أصحاب الهمم، نساءٌ حملن على أكتافهن أوزانًا من الهمّ والأمل، وجئن إلى طاولات الكتابة ليفرغن قلوبهن على الورق. لم يكتب عنهن الآخرون، بل كتبن بأنفسهن، لأن العامري كان يرى أن القلم حين يخرج من يد صاحبة الحكاية، يحمل صدقًا لا يبلغه قلمٌ آخر.
قال عن تلك اللحظة:
“كنت أريد أن أقول لكل أم: وجعكِ ليس نهاية، بل بداية لحكاية تستحق أن تُروى.”
وفي سبتمبر 2024، وُلد الكتاب، لا ليُباع في المعارض وحسب، بل ليقدّم درسًا عظيمًا: أن الحرف يمكن أن يرمّم الروح، وأن الأدب قد يتحوّل إلى فعل حياة.
فلسفة الأثر:
في كل لقاء يظهر فيه، سواء في معارض الكتب أو جلسات النقاش، لا تتوقع أن تسمع من عمر حديثًا عن الجوائز أو الأرقام. ستسمعه يتحدث عن الإنسان، عن القراءة التي يعتبرها جواز السفر الوحيد لكل كاتب حقيقي. قال في إحدى الجلسات:
“الكاتب الحقيقي يبدأ قارئًا. كل كتاب قرأته كان سلّمًا، وكل حرف كتبته كان محاولة لصعود نحو ذاتي.”
هذا هو عمر العامري؛ ليس كاتبًا يملأ الرفوف بعناوين، بل إنسانًا يسعى إلى أن يملأ القلوب بالأمل، والعقول بالمعنى. يؤمن أن الكلمة لا تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها تضيء عتمة روح، وتفتح نافذة في جدار ظنّه صاحبه صلبًا.
هكذا يُصنع الأثر: بكلمة صادقة، بكتاب يُكتب بروح، وبإنسان يؤمن أن الأدب ليس ترفًا للنخبة، بل حاجة للبشر، ليعيدوا اكتشاف أنفسهم، وليروا في مرايا الحرف وجوههم التي كادت تغيب وسط زحام الأيام.
هذه ليست حكاية كاتب فحسب، إنها حكاية إنسان أدرك مبكرًا أن العمر قصير، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه: حرفٌ يضيء، وأثرٌ يبقى.