أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

هوامش غير قابلة للطي “الحرف الناقص”

بقلم: هبة محمد زغلول

هوامش غير قابلة للطي

“الحرف الناقص”

بقلم: هبة محمد زغلول

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.
في أول يوم لي بالعمل الجديد، كنت أظن أنني الظل الذي أخيرًا تجسد… مكتب فخم، نافذة عريضة، ومقعد يوحي بأنني وصلت.
جلست خلف ذلك المكتب كمن يعلن انتصاره الأخير، ألمس سطحه المعدني البارد بفخرٍ وزهو، لقد استحققت هذا المركز عن جدارة واستحقاق دون شك.

وبين الأوراق الفارغة وجدت ورقة صفراء مهترئة، حروفها متآكلة بفعل الشمس والمطر وكأنها جاءت من زمن بعيد… في منتصفها كلمة بها حرف ناقص “اخت…ار”.

وقفت أمامها طويلًا. أي حرف غاب؟ أي معنى كان؟
أحببت الأحجية وشكل الورقة القديمة الذي بدا ملفتًا للغاية، اقنعت نفسي أن الحرف الناقص لابد أن يكون “ي” وتلك هي رسالة القدر لي أن اليوم أحقق ما أنا فيه بفضل كل “اختيار” اتخذته في الوقت المناسب، فكل ما أنا عليه اليوم صنعته قراراتي.

وضعت الورقة داخل برواز معدني أنيق ليحفظها على سطح مكتبي، وصرت أروي الحكاية لزواري بفخر. عن تلك الرسالة السرية التي عثرت عليها وأجهر بحكمتي وفني في اتخاذ القرارات وأن كل الأبواب التي فتحتها أو أوصدتها في الوقت المناسب هي ما أحدثت الأثر الذي أنا به اليوم.

تمر الأيام وتبهت الحكاية، أنساها كما نسيها الزوار.
فالمعاني لا تثبت، بل تتبدل بقدر ما نتبدل نحن.
حتى جاءت أزمة عاصفة كادت تقتلع كل شيء، وتفسد كل ما سعيت يومًا لتحقيقه وفي ذروة يأسي أجد البرواز أمامي أنظر إليه أحاول أن أسأله عن الاختيار الصحيح تلك المرة، فأرى انعكاس وجهي على الزجاج متسائلًا، ربما لم يكن الحرف الناقص “ي” لعله كان “ب” وأنا لم أفهم الحكمة من وراء ذلك وأن الأمر كله “اختبار“..

حين هزتني الأزمة، أدركت أن النجاح الطويل قد أفسدني، لم يكن الأمر اختيارًا بل اختبارًا للثبات، لم أعد بحاجة إلى انتصارات جديدة، بل إلى مواجهة صادقة أو بالأحرى مواجهة قاسية مع النفس والعالم لإعادة ضبط الأشرعة.
فبعد الأزمات دائمًا تسقط الأقنعة ويبرز الوجه القبيح للجميع، هذا تقليد معروف ولكن مع تلك الأزمة تحديدًا تعلمت الدرس.

واليوم، وقد انطفأت الضوضاء… مرة أخرى أنظر لرسالتي المشفرة أبتسم وأنا أردد لنفسي لربما كان الحرف “ص” لانكمشت الكلمة إلى “اختصار”… فالحياة نفسها تعيد صياغتنا، تُسقط الزوائد وتُبقي على جوهر لا نعرف قيمته إلا متأخرًا فالحياة، في النهاية، تختصرنا إلى ما هو أصدق، نحن لسنا ما نظن أننا جمعناه، بل ما تبقى بعد كل فقد.

تأملت الورقة، وفكرت ربما لم يكن الحرف قد سقط أصلًا، ربما لم يُكتب، ربما هي كلمة ناقصة عمدًا… لتظل حياتنا نحن، لا الورقة، هي الإجابة المفتوحة.

الحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة… بل في الفُتات، في الصمت، وفي العادي جدًا.
لنحتفظ بها كهوامش غير قابلة للطي..

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي