مقالات متنوعة
أخر الأخبار

أطفال مصر.. إنجازات بلا كاميرات، وكاميرات بلا إنجازات

كتبت: د. عبير عاطف 

 

في زمن صار فيه اللايك أهم من الميدالية، والهاشتاج أقوى من أي وسام، يمكن لمشهد عابر أن يحوّل طفلًا إلى “أيقونة إنسانية” لليلة واحدة، بينما يظل أبطال الرياضة والعلم في الظل رغم إنجازاتهم الحقيقية.

المفارقة المؤلمة أن تعب سنوات في المضمار أو المعمل قد لا يجد نصف الاهتمام الذي يجده فيديو قصير على السوشيال ميديا.

هنا يطرح السؤال نفسه.. هل معيار البطولة اليوم هو حجم الإنجاز.. أم عدد المشاهدات؟

 

أبطال أطفال لم تلاحقهم الكاميرات مثل فتاة كيس الشيبسي 

 

* مروة حسن – 13 سنة.

طفلة من أسوان كانت بتبيع مناديل علشان تساعد أسرتها. دخلت سباق 1 كم بجلباب طويل وحذاء بالكاد يثبت في رجليها، وخلصت الأولى وسط دهشة الجميع. أخدت ميدالية وزجاجة زيت ورحلة نيلية،  وبعد يومين رجعت تبيع مناديل. القصة دي لو حصلت في فيلم كانت هتكسر الدنيا، لكن في الواقع عدّت مرور الكرام.

* يوسف بدوى ..

بدأ الكاراتيه وهو عنده 5 سنين، ولما كبر بقى بطل العالم في وزن 84 كجم. اتكرم من الرئيس وأخد وسام الجمهورية مرتين. إنجاز عالمي حقيقي، لكنه ما عملش “ضجة” على السوشيال ميديا.

* ياسمين نصر الجويلي – 16 سنة.

وقت ذهبية أولمبياد الشباب 2018 من قرية صغيرة في الفيوم، وقفت على منصة أولمبياد بوينس آيرس ترفع ذهبية الكاراتيه وزن 53 كجم. العالم كله صفق لها… لكن الإعلام عندنا كان مشغول بتريند “كيس شيبسي 

* طلاب كامبريدج المصريون – أعمار بين 15 و18 سنة (2017)

أكثر من 100 طالب مصري حققوا جوائز عالمية مرموقة، 6 منهم كانوا الأوائل على مستوى العالم في امتحانات كامبريدج. إنجاز أكاديمي تاريخي، لكنه اتسجن في خبر صغير بزاوية الجرايد التعليمية، بينما اللايكات كانت بتتسابق بطولات وهمية.

فيه نماذج أخرى كثيرة ملهمة جدًا من الأطفال المصريين اللي حققوا نجاحات كبيرة وبطولات حقيقية كانت نستحق الحديث عهنم.. مثل..

 

* في حفظ القرآن الكريم:

– الطفل عبد الرحمن السيوفي:

أصغر حافظ للقرآن كاملًا في مصر وهو عنده 5 سنوات تقريبًا، وكان يقرأ بإتقان أمام لجان التحكيم.

– الطفلة رحمة خالد:

من الغربية، أتمت حفظ القرآن وهي في سن صغيرة جدًا، وشاركت في مسابقات محلية.

مسابقة الأزهر العالمية للقرآن الكريم بتشهد كل عام أطفال مصريين بيحصدوا مراكز متقدمة وسط مئات من الدول.

 

* في مجالات العلم:

– الطفل ياسين الزغبى:

اشتهر بلقب “سفير التحدي”، رغم إعاقته الحركية لكنه ابتكر دراجة مميزة وطاف بها المحافظات لنشر رسائل إيجابية للشباب.

– الطفلة ريم أشرف:

أصغر سبّاحة مصرية حققت رقم قياسي عالمي في “أطول غطسة تحت الماء” وهي عندها 14 سنة.

– الطفلة جنى السيد:

أصغر طفلة مصرية تدخل موسوعة “جينيس” لتمكنها من لعب الشطرنج وتحقيق بطولات في سن مبكرة.

 

🎶 في الفن والثقافة:

– الطفل عمر خطاب.. عازف بيانو صغير شارك في حفلات عالمية وهو في الابتدائية.

النماذج دي بتأكد إن الأطفال المصريين عندهم قدرات عظيمة، وبدعم الأسرة والمجتمع ممكن يظهر منهم المزيد في مجالات الدين، والعلم، والفن. لكن لم نسمع عنهم محدش اهتم بيهم مثل كيس الشيبسي.

 

حين يتحول الخير إلى “شو”

قصة فتاة الشيبسي مثال واضح، الطفلة ببراءة وطيبة قلب قدمت فعل تلقائي جميل يستحق الشكر والتقدير، لأن فيه إيثار وإنسانية. لكن المشكلة ما كانتش في فعلها.. المشكلة كانت في طريقة تناول السوشيال ميديا للواقعة، فجأة تحولت الطفلة إلى “بطلة قومية”، وتسابقت الكاميرات والقنوات في صناعة هالة ضخمة حوالين موقف بسيط.

النتيجة؟ بقى أي طفل قبل ما يفكر يتصدق أو يساعد محتاج، ممكن يسأل نفسه: “فين الكاميرا؟” وده أخطر ما في الموضوع. لأن الخير لما يتحول لعرض مسرحي، بنخسر جوهره الإنساني، وندخل في كارثة تربوية وأخلاقية.

 

المشكلة فين؟

المشكلة مش في المواقف الإنسانية نفسها، بالعكس، دي بتعبر عن القيم الإنسانية. لكن الكارثة إن الإنجازات اللي بتاخد سنين تعب وتدريب وسهر، ما بتاخدش نص الاهتمام اللي بياخده فيديو مدته دقيقة. وكأننا بنقول لأطفالنا: “الميدالية مش مهمة.. المهم تكون معاك كاميرا”.

في الأصل، ما فعلته فتاة الشيبسي تصرف عفوي بريء من طفلة نقية القلب، يحمل في داخله جمال الطفولة وروح الإيثار.

لكن ما حدث بعد ذلك على منصات السوشيال ميديا شوّه الفكرة، وحوّل الموقف من درس بديع في البساطة والرحمة إلى “ترند” يُستغل للضحك والسخرية وكأننا لم نرَ فعل الخير من قبل.

 

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.. أطفالنا صاروا يتعلمون قبل أن يتصدقوا أو يساعدوا محتاجًا، يجب أن يبحثوا أولًا عن الكاميرا، لا عن قيمة العمل نفسه.

 

إذا لم ننتبه، سنفقد المعنى الأصيل لكل جميل، ونحوّل أفعال الرحمة والإنسانية إلى مجرد عروض على مسرح السوشيال.

ختامًا..

أبطالنا الحقيقيين مش محتاجين تريند عشان يثبتوا نفسهم، لكن محتاجين مجتمع يعرف يديهم حقهم. الميدالية مش أقل قيمة من اللايك، والإنجاز مش أقل من الهاشتاج. يمكن وقتها بس هنقدر نفرق بين “لقطة بتعدي” و”بطولة بتعيش”.

دعونا نوقف هذه المهزلة الإعلامية وتضخيم أشياء عادية على حساب إنجازات حقيقية ونعلم أبناءنا أن الخير يُفعل لوجه الله، لا لعدسات الكاميرا، وإلا فقدنا أجمل ما فيه.

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي