أخبار مصر

” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ” بقلم:هند زيدان

المشهدُ العاشرُ

” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”

بقلم:هند زيدان

 

المشهدُ العاشرُ
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”

رَكَعَ…
وَلَمْ يَقِفْ بَعْدَهَا، لَا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ، بَلْ لِأَنَّهُ نَسِيَ كَيْفَ.
بَاتَ الظَّهْرُ مُقَوَّسًا، وَالرَّأْسُ مُنْكَسًا،

كَأَنَّ الِانْكِسَارَ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ بِنْيَتِهِ.
عَادَ وَحْدَهُ.
لَا يَدْرِي كَيْفَ وَصَلَ…

الطَّرِيقُ ضَبَابٌ، وَالْوُجُوهُ بِلَا مَلَامِحَ،

حَتَّى جُدْرَانُ بَيْتِهِ بَدَتْ لَهُ غَرِيبَةً،

كَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَهُ يُشْبِهُهُ الْآنَ… هَشٌّ، بَارِدٌ، خَائِفٌ مِنْ نَفْسِهِ.

جَلَسَ… لَا، بَلِ اتَّكَأَ كَأَنَّ جَسَدَهُ ثِقْلٌ لَا طَاقَةَ لَهُ بِحَمْلِهِ.

وَفَتَحَ هَاتِفَهُ… الرِّسَالَةُ لَا تَزَالُ هُنَاكَ، لَمْ تَخْتَفِ، لَمْ تَتَبَخَّرْ كَأَمَلٍ كَاذِبٍ.
قَرَأَهَا مَرَّةً، مَرَّتَيْنِ، عَشْرَةً…

مَا الَّذِي قُصِدَ بِهَا؟
هَلْ كَانَتْ سُخْرِيَةً؟ تَحْذِيرًا؟ لَا يَدْرِي…

لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتُمَزِّقَهُ بِصَمْتٍ.
“هِيَ تَعْلَمُ مَا تَفْعَلُ”
قَالَهَا فِي سِرِّهِ كَمَنْ يَعْتَرِفُ بِجَرِيمَةٍ لَمْ يَرْتَكِبْهَا، لَكِنَّهُ يُعَاقِبُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا.
ظَلَّ يُفَكِّرُ…

كَيْفَ انْقَلَبَ الْمِيزَانُ؟
مَتَى صَارَ هُوَ مَنْ يُسَاقُ؟

مَتَى أَصْبَحَ خَيْطُهَا أَقْوَى مِنْ صَوْتِهِ، مِنْ جَبَرُوتِهِ، مِنْ كُلِّ رُجُولَتِهِ الْمَصْنُوعَةِ؟
لَمْ يَكُنْ يُحِبُّهَا…
هَكَذَا قَالَ لِنَفْسِهِ أَلْفَ مَرَّةٍ.

لَكِنَّهَا الْآنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ…

فِي الصَّمْتِ، فِي الْأَثَاثِ، فِي انْعِكَاسِ الْمِرْآةِ، فِي الْهَوَاءِ.

لَمْ تَقُلْ لَهُ عُدْ… وَلَمْ تَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ.

لَكِنَّهَا أَخَذَتْ مِنْهُ الْقَرَارَ، وَبَقِيَ هُوَ يَتَخَبَّطُ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ.
فَكَّرَ أَنْ يَكْتُبَ…

 

ثُمَّ مَحَا قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، يَعْجَزُ عَنِ الْكِتَابَةِ.
ذَاكَ الَّذِي أَرْهَقَ النِّسَاءَ بِكَلِمَاتِهِ،

الْآنَ لَا يَجِدُ حَرْفًا يَلِيقُ بِامْرَأَةٍ لَمْ تَنْطِقْ.
وَسَقَطَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ…

كَعَتْمَةٍ خَرْسَاءَ، لَا نُجُومَ فِيهَا، وَلَا حَتَّى قَمَرٌ يَسْخَرُ مِنْهُ.
وَظَلَّ يُفَكِّرُ…
وَلَا أَحَدَ يُفَكِّرُ فِي مَنْ يُفَكِّرُ.

لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الرِّسَالَةُ سِوَى رَمْيَةِ سَهْمٍ مُصَوَّبٍ نَحْوَ قَلْبِهِ، لَا يَقْطَعُهُ الْمَوْتُ…

بَلْ يُحْيِيهِ لِيَذُوقَ طَعْمَهُ أَلْفَ مَرَّةٍ.

قَرَأَهَا، أَوْ تَظَاهَرَ بِذَلِكَ، فَالْحُرُوفُ لَيْسَتْ كَالْحُرُوفِ،

وَالْكَلِمَاتُ كَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ فَمِ الْغَيْبِ مَائِلَةً، مَكْسُورَةً،

يُوشِكُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا الْمَعْنَى ثُمَّ لَا يَسْقُطُ…

 

هَلْ قَالَتْ لَهُ شَيْئًا؟ لَا يَدْرِي.
لَكِنَّ عَيْنَهُ انْطَفَأَتْ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا… لَا لِشَيْءٍ، بَلْ لِأَنَّهُ فَهِمَ! أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ فَهِمَ…

وَمَنْ يَنْجُو مِنَ الْفَهْمِ حِينَ لَا يُرَادُ لَهُ النَّجَاةُ؟!
جَثَا فَوْقَ الشَّكِّ، وَرَكَعَ عَلَى الْحِيرَةِ، وَأَقْسَمَ أَنْ يَزْحَفَ إِنْ لَزِمَ، فَقَطْ لِيَصِلَ…

لَكِنْ أَيْنَ؟
أَيْنَ تَمْضِي تِلْكَ الَّتِي شَدَّتِ الْخَيْطَ وَشَدَّتْهُ؟

إِلَى أَرْضٍ لَا يَعْرِفُهَا، فِي حَيٍّ لَا يَعْرِفُهُ..

سَحَبَتْهُ بِخَيْطٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، لَكِنَّهُ يَلْتَفُّ حَوْلَ عُنُقِهِ، وَيَشُدُّ صَدْرَهُ،

وَيَحْرِمُهُ الْأُوكْسِجِينَ إِلَّا إِنْ شَاءَتْ.
كَانَ يَرَى اللَّهَاثَ عَلَى جَسَدِهِ، وَلَا يَسْمَعُ صَوْتَ أَنْفَاسِهِ…

يَمْشِي كَمَنْ لَا يَمْلِكُ قَدَمًا، بَلْ يُسَاقُ…
يَأْتِي الْمَكَانَ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ عَلَيْهِ اعْتِرَاضًا،

يَقِفُ بَعِيدًا، لَا يَطْرُقُ بَابًا، لَا يَسْأَلُ أَحَدًا…
فَقَطْ يَتَسَلَّلُ كَمَنْ تَسَلَّلَتْ مِنْهُ كَرَامَتُهُ ذَاتَ خَيْطٍ!

عُيُونُهُ تَبْحَثُ، لَيْسَتْ عَنْ مَلَامِحِ وَجْهِهَا، بَلْ عَنْ ظِلِّهَا…
عَنْ أَيِّ دَلِيلٍ يُخْبِرُهُ: “أَنْتَ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي لَا يُعِيدُكَ رَجُلًا”.

وَفِي لَحْظَةٍ مَا…
خَرَجَتْ، أَوْ هَكَذَا خُيِّلَ لَهُ.
لَا صَوْتَ.
وَلَا حَرَكَةَ.
وَلَا شَيْءَ سِوَى أَنْفَاسِهِ الَّتِي اخْتَنَقَتْ فَجْأَةً.
انْحَنَتْ رُكْبَتَاهُ دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا.

وَسَقَطَتْ عَيْنَاهُ إِلَى الْأَرْضِ.
فَلَا أَحَدَ يُطَالُ رُؤُوسَ النِّسَاءِ مِنْ رَكَعَ،
وَلَا أَحَدَ يَرَى الطَّرِيقَ وَهُوَ يَجُرُّ الْخَيْطَ فِي عُنُقِهِ.

هِيَ هُنَاكَ…
تَرَى الْمَشْهَدَ،
تَرَى الذُّلَّ،
تَرَى انْهِيَارَهُ الْمُتَكَرِّرَ…
وَتَرْتَشِفُ مِنْهُ الْحَيَاةَ.

لَمْ تَقْتَرِبْ، لَمْ تَلْتَفِتْ، لَمْ تُكَلِّفْ حَتَّى ظِلَّهَا أَنْ يُعَانِقَ ظِلَّهُ…
تَرَكَتِ الْبَابَ مُوَارَبًا، لَا لِلْعُبُورِ، بَلْ لِيُطِلَّ مِنْهُ عَلَى احْتِقَارِهِ.

وَلَمْ تَتْرُكْ وَرَاءَهَا سِوَى قَهْقَهَةٍ بَارِدَةٍ، لَا تُسْمَعُ…
بَلْ تُوَجَّهُ كَصَفْعَةٍ إِلَى كَرَامَتِهِ، الَّتِي أَضَاعَتْ عُنْوَانَهَا ذَاتَ يَوْمٍ،

حِينَ مَشَى خَلْفَ خَيْطٍ.
ظَلَّ رَاكِعًا…

لَا يَنْتَظِرُهَا، بَلْ يَنْتَظِرُ نَفْسَهُ أَنْ تَعُودَ.

لَكِنْ مَنْ يَعُودُ مِنْ رَكْعَةٍ لَا يُرَادُ بِهَا الْعُلُوُّ، وَلَا تُبْنَى عَلَى رَجَاءٍ؟

رَكْعَةٌ انْحَنَى فِيهَا لَيْسَ حُبًّا، بَلْ خُضُوعًا مَمْزُوجًا بِالْخِذْلَانِ.

انْتَصَبَ بَعْدَ طُولِ الِانْكِسَارِ،
فَلَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ…
وَلَا وَجَدَ وَجْهَهُ..

هُنَيْدَةُ زِيْدَانَ

حنان الشيمي

كاتبة صحفية وروائية مصرية، خريجة جامعة الأزهر. لها مساهمات كثيرة في عدد من الصحف الإلكترونية والجرائد، وتركّز في كتاباتها على قضايا المرأة، الأسرة، والعلاقات الإنسانية. صدر لها العديد من الروايات والكتب الدينية، التي تجمع بين الطرح الأدبي والمعالجة الفكرية. إلى جانب نشاطها الصحفي والأدبي، تشارك في تقديم محاضرات وندوات تثقيفية في مجالي الصحة النفسية والسيرة النبوية. المستشار الفني لجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي