مقالات متنوعة
أخر الأخبار

ثقافة المقارنات.. كيف نقتل ثقة أولادنا دون أن ندري؟

ثقافة المقارنات..

كيف نقتل ثقة أولادنا دون أن ندري؟

بقلم: د. عبير عاطف 

 

في كثير من البيوت، تُقال كلمات تبدو عابرة لكنها تترك جرحًا لا يُمحى: “شوف ابن خالتك نجح، ليه إنت لا؟”، “بنت عمك اتجوزت وأنتِ لسه!”، “أختك أشطر منك”.

هذه العبارات ليست مجرد مقارنة، بل سهام تخترق نفسية الأبناء وتزرع بداخلهم شعورًا بالعجز والدونية.

المقارنة بين الأطفال

المقارنة، مهما كانت نية قائلها “تحفيزية”، تحمل في حقيقتها رسالة قاسية: “أنت غير كافٍ”، “نجاحك لا يُرضينا”، “غيرك أفضل منك”. ومع تكرار هذه الرسائل، تتآكل ثقة الطفل أو الشاب بنفسه، ويبدأ في رؤية ذاته بعين الآخرين، لا بعينه هو.

 

من الناحية النفسية، الطفل الذي يتعرض للمقارنات المستمرة ينشأ بشخصية مهزوزة، مترددة، وخائفة من الفشل. وقد يطور شعورًا مزمنًا بعدم الرضا عن نفسه، مما يجعله يبحث دائمًا عن إرضاء الآخرين بدل أن يعيش وفق قناعاته.

بعض الأطفال يستسلمون تمامًا ويتوقفون عن المحاولة، بينما آخرون يدخلون في سباق دائم لإثبات الذات، لكن دون شعور بالسعادة أو الاكتفاء. وفي كلتا الحالتين، النتيجة واحدة.. نفس مرهقة، وشخصية غير متصالحة مع ذاتها.

 

ما لا ندركه أن لكل إنسان مسارًا مختلفًا، وظروفًا فريدة، وقدرات خاصة. حين نقارن أبناءنا بغيرهم، فإننا نغفل عن هذه الحقيقة، ونحمّلهم ثقلًا نفسيًا يفوق طاقتهم. والأسوأ أن المقارنة قد تزرع الغيرة والحقد بين الإخوة أو الأقارب، بدل أن تبني المحبة والتعاون.

الأبناء لا يحتاجون إلى مرآة الآخرين ليعرفوا قيمتهم، بل يحتاجون إلى كلمات تقدير صادقة: “أنا فخور بمجهودك”، “خطوتك دي مهمة حتى لو صغيرة”، “أنت بتتطور يوم بعد يوم”. التشجيع على الإنجاز الفردي، والإشادة بالجهد قبل النتيجة، هما الطريق الحقيقي لبناء الثقة بالنفس وتحفيز الاستمرار.

 

جمل بديلة إيجابية بدل المقارنات

“مجهودك واضح، وأنا مقدّره جدًا.”

“كل مرة بتتعلم أكتر، وده بيبان في شغلك.”

“أنا شايف إنك بتتقدم حتى لو بخطوات صغيرة.”

“أنت مميز بطريقتك الخاصة، ومفيش حد زيك.”

“الغلط ده طبيعي، المهم إنك بتحاول وتتعلم.”

“أنا واثق إنك تقدر توصل للي نفسك فيه.”

 

ختامًا.. 

المقارنات لا تصنع أبطالًا، بل تُخرِج أبناءً محملين بالشك والغيرة. الكلمات التي نزرعها في طفولتهم تصبح أصواتًا داخلية تلازمهم لسنوات طويلة. فإذا أردنا جيلًا سويًا، واثقًا، ومحبًا لذاته، فعلينا أن نستبدل لغة المقارنة بلغة التشجيع.

فالكلمة الطيبة ليست مجرد صوت، بل حياة تُمنح، وأمان يُبنى في الداخل.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي