أدبيثقافةمقالات متنوعة

هوامش غير قابلة للطي _ ظلّ الطائر _ هبة محمد زغلول

هوامش غير قابلة للطي

ظلّ الطائر

بقلم: هبة محمد زغلول

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.

صدمة .. ارتطام .. ثم سكون طويل

لأفتح عيني لا أرى إلا جدار أبيض يستند عليه صمت ثقيل، فراغ ممتد بلا ملامح، يبتلعني بداخله، حتى النافذة بعيدة عن مرمى بصري، لايتسرب منها إلا النذير من الضوء ليجعل الجدار مرآة باردة لما تبقى من يومي.

في ظهيرة بعينها، وقف طائر لم أره على النافذة، لكن أثره انسكب على الحائط كظلّ باهت، يرفرف ويختفي. لم أسمع صوته، ولم أعرف لونه، لكن ما تركه من عتمة مرتعشة صارت أصدق رفيق لي، ومنذ تلك اللحظة، تبنيت الظلّ نديمًا لي.

صرت أكلمه كما يكلم الضرير أطياف لا يراها، أو كما يصغي الأصم إلى حركة شفتين بلا صوت، أحكي له عن جسدي الذي صار ثقيلًا كحجر، وعن قلبي الذي يتعلم الإيقاع من الأجهزة من حولي، هو لا يسمعني، وأنا لا أراه، ومع ذلك نتواطأ على محادثة لا يشهدها أحد.

أحيانًا تدخل الممرضة، تضبط الجهاز أو تعدل من وضعيتي، لتمضي دون أن تترك في الغرفة أثرًا يُذكر وكأنها لم تكن.
وقد يزورني أحدهم لدقائق، يتكلم بعبارات قصيرة يخرج معها أكثر مما يدخل… فالعالم كله يمر بي عابرًا، لا يتوقف.. ولا يترك أي دليل على مروره بي. وحده الظلّ، بلا صوت ولا لون، يقيم معي.

ومع كل زيارة للظلّ على الجدار تهمس كعلامة على مرور النهار، مثل ساعة رملية بطيئ، واكن مثلي لا يملك إلا الإنتظار.
يمر أحيانًا في موعده، كساعة لا تخون، فيطمئنني أن اليوم لم يتوقف، وأن الزمن لم يتجمد حولي.
وأحيانًا يغيب، فأفقد صلتي بالوقت، وكأنني متروك في فراغ لم يعد له نهار ولا ليل.
لكن حتى في غيابه، يظل الانتظار نفسه حياةً مؤجّلة.

هل هو الظلّ ذاته كل يوم؟ .. لا أعلم
لم أعد أفتش عن معنى آخر، يكفيني أن أعرف أن طالما ظلّ الطائر قد مرّ، فإن اليوم لم يخذلني بعد، وأن ظلّه الذي يرسمه على الجدار، هو كل ما أملك لأتأكد أنني ما زلت موجودًا، أنني ما زلت أعيش في زمن يتدفق، لا في فراغ ساكن.
وفي إحدى الصباحات أطلب من الممرضة أن تترك النافذة مفتوحة وأنتظر وأترقب ليأتي رفيقي أرى ظلّه… وأسمع صوته للمرة الأولى، أصغي أنصت بإهتمام هل أحدث الصوت أثرًا يذكر؟

ربما حكايتي معه لم تكن سوى حوار ناقص مع الحياة، لكن حتى هذا النقص كان أكثر صدقًا من اكتمال الآخرين، أدركت أن اكتمال الصدى ليس شرطًا لصدق الكلام… وأن الوحدة أحيانًا تختار لك رفيقًا لا تراه ولا يسمعك، لكنه الوحيد الذي لا يتركك.
ربما لم أكتب هذه الحكاية لأحد أصلًا، بل لأحفظ أثر محادثة مع ظلّ، لئلا يضيع كل شيء في بياض هذا الجدار.

فالحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة… بل في الفُتات، في الصمت، وفي العادي جدًا.
لنحتفظ بها كهوامش غير قابلة للطي..

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي