مقالات متنوعة
أخر الأخبار

القدس ليست حربًا.. وإنما مشروع أمة

القدس ليست حربًا.. وإنما مشروع أمة

 

بقلم: د. أحمد النجار

 

لم تكن القدس عبر التاريخ مجرّد أرضٍ محتلة أو ساحة نزاع عسكري، وإنما كانت وما زالت قضية أمّة كاملة، تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتصل إلى عمق الهوية والعقيدة. إنّ القدس ليست حربًا نخوضها لنربح جولة عابرة، بل هي مشروع حضاري وأمانة شرعية في أعناق المسلمين جميعًا، جيلًا بعد جيل.

 

القدس في القرآن الكريم

لقد ارتبطت القدس بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، فهي الأرض المباركة التي بارك الله حولها:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}

[الإسراء: 1].

هذه الآية ليست مجرد ذكر لرحلة الإسراء والمعراج، وإنما إعلان رباني واضح لمكانة القدس في قلب الرسالة الإسلامية، فهي البقعة التي باركها الله للعالمين. كما يقول سبحانه:

{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}

[الأنبياء: 71].

القدس في السنة النبوية

جعل النبي -ﷺ- للمسجد الأقصى مكانة لا تقل عن مكانة المسجد الحرام والمسجد النبوي، فقال:

“لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى”

(رواه البخاري ومسلم).

كما أنها كانت أولى القبلتين، حيث صلّى إليها المسلمون ستة عشر شهرًا قبل أن تُحوّل القبلة إلى الكعبة، وهذا دليل على عمق الارتباط الروحي والتاريخي بها.

 

القدس مشروع أمة

إن الحديث عن القدس لا يجب أن يُختزل في مشهد عسكري أو معركة آنية، لأن قضايا الأمة الكبرى لا تُختزل في بندقية ولا تُحسم في يوم وليلة.

القدس هي قضية وعي، ومشروع وحدة، وميدان نهضة، تتطلّب إصلاحًا داخليًا للأمة، وتعاونًا بين شعوبها، ودعمًا سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا متكاملًا.

إنها أمانة في أعناق المسلمين جميعًا، لا تخص شعبًا واحدًا ولا دولة واحدة. فكما قال رسول الله -ﷺ:

“مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”

(رواه مسلم).

فالقدس اليوم جرح الأمة النازف، وهي اختبار لمدى وعيها بوحدتها وهويتها ورسالتها.

 

القدس والهوية الحضارية

القدس ليست حجرًا ولا جغرافيا، بل هي رمز للعدل والحرية والكرامة، ومفتاح لنهضة الأمة بأسرها. كلما اقتربت الأمة من مشروعها الحضاري واتحدت كلمتها، اقترب يوم التحرير، لأن وعد الله حق:

{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}

[الحج: 40].

ثم أقول في خاتمة مقالتي..

إنّ القدس ليست حربًا نخوضها ثم ننساها، بل هي قضية وجود ومشروع حضارة، لا يتحقق إلا بوعي الأمة، ووحدتها، وإخلاصها لله، واستعدادها للبذل والتضحية. إنها مشروع طويل الأمد، يبدأ من إصلاح النفوس وتربية الأجيال، ويمتد إلى تحرير الأرض وإقامة الحق.

فالقدس اليوم تنادي الأمة: كونوا على قدر الأمانة، فأنتم الوارثون لوعد الله، وأنتم صُنّاع الغد المشرق.

 

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي