مقالات متنوعة
أخر الأخبار

نبيٌّ يوصي نبيًّا.. دروس في قيمة النصيحة

نبيٌّ يوصي نبيًّا.. دروس في قيمة النصيحة

 

بقلم: د. أحمد النجار 

 

قال تعالى في كتابه الكريم:

{وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}

(سورة الأعراف، الآية 142)

تأمل هذا المشهد القرآني البديع الذي يفيض بالحكمة والتواضع والمسؤولية؛ نبيٌّ من أولي العزم، موسى -عليه السلام، يوصي أخاه النبي الصالح هارون -عليه السلام- قبل أن يذهب لميقات ربّه.

لم يقل له: أنت نبيّ مثلي فلا حاجة للوصية، بل أوصاه بالإصلاح، وحذّره من سبيل المفسدين.

وهنا تتجلى عظمة النبوة في أسمى معانيها؛ تعاون على البرّ والتقوى، وتواصٍ بالحقّ والإصلاح، وتأكيدٌ على أن النصيحة واجبة مهما علت المنزلة وارتفع المقام.

 

إن هذه الآية وحدها كفيلة بأن تُعيد ترتيب مفهوم النصيحة في وجداننا. فهي تثبت أن النصيحة ليست انتقاصًا من أحد، بل أمانة وعبادة ومسؤولية مشتركة. فإذا كان نبيٌّ يوصي نبيًّا، فكيف بمن دونهم؟ وإذا كان من هو مصطفى من الله يحرص على النصح، فكيف يترفع أحدنا اليوم عن التوجيه أو الإصغاء؟

 

النصيحة.. روح الدين

جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- النصيحة عماد الدين فقال في الحديث الصحيح:

“الدين النصيحة”

 قلنا: لمن يا رسول الله؟

 قال: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم”

(رواه مسلم)

بهذا الحديث الجامع المانع، جعل الرسول النصيحة روح الدين وركنه المتين، فهي ليست مجاملة ولا عتابًا، بل عبادة قلبية يقصد بها وجه الله، وإصلاح الخلق، وحماية المجتمع من الفساد والانقسام.

والقرآن الكريم حافل بالنماذج التي تؤكد مركزية النصح في حياة الأنبياء؛ فنوح -عليه السلام- قال لقومه:

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ}

(الأعراف: 62)

وكذلك هود وصالح وشعيب، كلهم بدأوا دعوتهم بالنصح قبل الإنذار والوعيد.

 

التناصح فريضة لا ترف

في واقعنا المعاصر، قد يُصاب بعض الناس بالغرور العلمي أو الديني أو الوظيفي، فيظن أنه فوق النصيحة، أو أنه لا يُسأل عمّا يفعل، ناسياً أن النصيحة لا تُسقطها رتبة ولا شهادة ولا منصب.

بل إن الصالحين والعلماء الكبار كانوا يفرحون بمن ينبههم، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه:

“رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي”.

فكان يعد النصيحة هدية لا مذمّة، ومدحًا لا تجريحًا.

 

إنّ غياب النصيحة الصادقة بين الناس يؤدي إلى فسادٍ في الأرض وضمورٍ في الوعي. قال تعالى في التحذير من ذلك:

{كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

(المائدة: 79)

فحين يسكت المجتمع عن الخطأ، أو يترك الظالم دون ناصح، تبدأ مرحلة الانهيار الأخلاقي والاجتماعي.

 

النصيحة بين الرفق والحكمة

ولكي تكون النصيحة مثمرة، لا بد أن تُقدَّم بروح المحبة، لا بروح الإدانة. فالنبي قال:

“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”

(رواه البخاري ومسلم).

كما قال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام- عندما أُرسلا إلى فرعون:

{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}

(طه: 44)

فإذا كان الله قد أمر باللين في نصح فرعون، فكيف بغيره من البشر؟

النصيحة إذًا ليست صدامًا ولا تعاليًا، بل فنٌّ في الإصلاح، يقوم على الرفق، والحكمة، والنية الخالصة.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله:

“من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.”

وهذا منهج رفيع في التربية، يجعل من النصيحة بابًا للرحمة لا للعداوة.

 

بين موسى وهارون.. رسالة للأمة

وصية موسى لأخيه تلخّص منهج الإصلاح الكامل:

 1. “اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي”: أي تولَّ المسؤولية بإخلاص.

 2. “وَأَصْلِحْ”: أي اجعل الإصلاح غايتك الأولى.

 3. “وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ”: أي احذر الانحراف مهما كان مبررًا.

 

تلك الكلمات الثلاث هي دستور لكل من يتولى أمرًا، علميًا كان أو إداريًا أو تربويًا. فهي تؤكد أن الإصلاح لا يقوم إلا على التقوى، والنزاهة، والتواضع للنصح والمشورة.

 

خاتمة

إنّ النصيحة في الإسلام ليست ترفًا فكريًا، ولا سلوكًا اجتماعيًا هامشيًا، بل صمام أمان للأمم.

فحين يتناصح الناس بالخير، تتماسك المجتمعات، وحين يتواصون بالحق، تزول الأحقاد.

ولذلك ختم الله سورة العصر بآية جامعة تُلخّص فلسفة النجاة الإنسانية كلها:

{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

 

فيا أيها القارئ الكريم، تذكّر دائمًا أن النصيحة ليست ضعفًا، بل قوة الإيمان، ونور العقل، وميزان الأخلاق.

وما أجمل أن نكون —كما أراد الله— أمة تتواصى بالخير، وتُصلح ولا تُفسد، وتسمع للنصيحة ولو من أقل الناس شأنًا، اقتداءً بالأنبياء، ووفاءً لرسالة الحقّ التي حملوها.

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي