كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.
في تلك اللحظة التي لا تُسمّى، حين يتراجع الليل متعبًا ولا يجرؤ الصباح بعد على البوح، تسكن الأشياء في صمتها الأخير.
اقتربت من النافذة، يغطي الزجاج ضباب خفيف كأن الليل ترك عليه أنفاسه قبل رحيله.
تجمعت قطرات الندى مثل حروفٍ شفافة على صفحة الزجاج، تحاول أن تقول شيئًا، ثم تصمت.
رغم علمي بالمشهد في وضح النهار، حاولت أن ألتقط ملامحه خلف الضباب؛ الأشجار غائمة، الأضواء خافتة، والعالم ينسحب ببطء من صورته المألوفة.
وكأن الضوء نفسه قد شاخ، وصار يتكئ على العتمة كي يواصل السير.
ليس بمشهد لبداية نهارٍ جديد، بل وداعًا مؤجلًا لليلٍ لم يجد بعد طريقه إلى الراحة.
تتكاثف القطرات على سطح الزجاج لتبدو كل قطرة كمجرة صغيرة، ترى من خلالها وجهًا مختلفًا للعالم، مرآة لزمنٍ آخر، شاهدت في داخلها أقمارًا ولقيت بها أسفارًا ربما لم أكن التقيتها أو سافرتها من قبل..
ثم تنزلق ببطء تاركةً خلفها خطًا رفيعًا، كدمعةٍ تهوى عن وجه الكون، أراقبها وهي تتسابق إلى الأسفل، خاتمةً لما تبقى من حكايات الليل في لحظة ثرية بكل ما تحمله الكلمه من معنى.. كم تمنيت لو كانت حقيقية لأجمعها وأحتفظ بها، لكني أعلم أن لحظات الجمال لا تُمسك، بل تُشم فقط… كرائحة النهاية.
تحاول الشمس أن تستيقظ من وراء الضباب، ليلمع الندى تحت ضوئها الجديد كحروفٍ باهتة من قصةٍ لم تكتمل، مفصحةً عن عنصر آخر من عناصر اللوحة، كاشفةً عن وجهٍ جديد للوحةٍ تتبدل ألوانها ببطء.
من خلال الممرات، كان الأفق يزهر بالأزرق الخافت، والشمس تتلصص من خلف الزجاج كبقية الأطفال الخارجين للعب بعد انقضاء الحكاية.
القطرات تتهاوى واحدةً تلو الأخرى، ترسم مجاريها الدقيقة، تلتقي ثم تفترق، كأنها تسرد سيرة الكائنات، قد تتكرر بداياتها ونهاياتها، لكنها لا تتشابه أبدًا، كل قطرةٍ تحمل في عمقها ذاكرةَ ما كان، بعضها يذوب سريعًا ويلتحم بغيره، وبعضها يسكن في ثباتٍ هادئ، ينتظر لقاؤه الأول بأشعة الشمس ليعلو معها بين الغيم، ثم تُسلمها للريح حين تذوب، لتُمرر الحكاية لجيلٍ آخر من الضوء.
ففتحت النافذة، وهبّت نسمات الصباح على وجهي، وقد بدأت العصافير رحلتها الصباحية، تتقافز على الأغصان تحتفل بولادة الضوء، امتلأت أنفاسي برائحة تجمع بين المطر والبحر، بين الوداع والبدء؛ رائحة لا تشبه الفناء بل التحول.
النهاية، مهما بدت وادعة أو ضئيلة، تترك وراءها عطرها الخاص… رائحة تشبه الممر الذي يعبره الضوء حين يشيخ، والذاكرة حين تهدأ، والقلب حين يتصالح مع ما فقد.
فالضوء لا يخبو، إنما يرقّ، ويصير أكثر بصيرة؛ يرى ما غاب عنه في صخبه الأول من تفاصيل الراحلين، وملامح الذين لم يعودوا.
لهذا، تبقى رائحة النهاية أجمل ما يتركه الغياب في الهواء، كأنها توقيع الوجود الأخير على هامش الحياة.
إهداء إلى روح الشهيد بإذن الله صالح الجعفري، وإلى كل من ارتقوا بشرفٍ من أجل المبدأ؛ ليظلوا أثرًا باقٍ وشاهدًا على أن الحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة، بل في الفتات… في الصمت… وفي العادي جدًا.
رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.