
يا ترى ما السبب؟
الكاتبة: تمارا غزولي
اليوم طُرِق بابي طرقًا خفيفًا،وكان الخمول في نفسي يطرق الوقت طرقًا ثقيلاً.
فقلتُ وأنا في مقعدي:
من الطارقُ في هذا المساءِ الغارق؟
فأجابني، وكان في صوته نبرةُ واثقٍ فاضقٍ:
“افتحي الباب، أنا المللُ القاتل، جئتُ لكِ صاحبًا،
وأعدكِ أن أجعل وجهكِ عابثًا، ومزاجكِ باهِتًا شاحبًا.”
فقلتُ وأنا أتنفّسُ استنكارًا وعتابًا عابقًا:
“وهل بيني وبينك موعدٌ سابق؟
أما تعلم أن الزيارةَ ليلًا في العُرفِ خُلقٌ غيرُ لائق؟
ارحل عني، فمزاجي غيرُ رايق، ونفسي مقطوعٌ وضايق.”
فدخل البيت دون “إحمٍ” ولا دستور،
وصار يلفُّ بهِ ويدور!
قلت له:
“أي مو معقول! مين مفكّر حالك يا فهمان؟
هيك الواحد بيدخل على الناس دون استئذان؟
رجاءً، اقعد آدمِي، وبالحكي لا تكثر ولا تفترِي.
ولا تكون ضيفًا ثقيلًا، وخلي الكلام قليلًا،
متل ما شايف، الليل طويل، والوقت عليل.”
فصدق حاله، وقعد كأنّ الدارَ داره،وتنهّد وتمدد،
بس يا حيف، وقت الواحد يقلّل من مقداره
ويطلب شاي وقهوة من حاله!
قلت له:
“وقف مكانك وزيّن كلامك!
شو شايفني هبلة وحوبة؟ لحتى أتحرك وأعملك ضيافة؟”
وصفنتُ بالحيط، والحيطُ صفن فيني،
وبعد ساعتين تلاتة،
قال لي الملل:
“يِخرب بيتك! والله مللتيني!
لك بنتي زهقتيني! ومن تيابي طلعتيني!
بس بدي أفهم شو الهدف؟ شو الغاية من هالصفنة؟
وصليني لعمق الدباجة!”
طرفت عيني عليه بنظرةٍ خاطفة،ورجعت لنفس الحالة.
قال لي:
“أي وبعدين معِك؟ أنا لشو جاية؟
مشان الله، شو القصة؟ شو الحكاية؟
قومي شغّلي التلفزيون، وضَيّعي وقتِك عالتلفون،
خليني أشوف شغلي، الله يرضى عليكي،
لا تفقديني عقلي ولا تطلعيني عن طوري!”
ابتسمت ابتسامةً دون اهتماموتنهّدت تنهيدة الغمام،
وجلست وقلت له:
“اجيت، والله جابك يا سلام!
لح أحكيلك شو محيّرني بهالأيام!
بدي أفتح لك كل الدفاتر القديمة، من وقت ما كنت طفلة عنيدة، لغاية ما صرت مسكينة،ولح خبرك عن الجيران، وكل أسرار المدينة.
وكيف الديك اتزوج كلب، وخَلَّف بيسة!”
هون الملل صفن الصفنة العجيبة وقال:
“ولي علَي، يا ويلي من هالورطة!
متأكد إني رح تجيني بسببك الجلطة!”
بس أنا كملت كشّ وعليه أقطع، وقلت له:
“ما لك بطول السيرة!
بدي أفهم كيف خالتي حجزت على فرنسا
وقامت وصلت على النمسا!
وأنا اتعلمت إيطالي، بس ما بعرف كيف حكيت ألماني!
وكل فكري أخي مدير مالي… طلع صيدلاني!
وكيف أختي بتدرس هندسة مدنية بقسم الفنون الجميلة!؟
وتخيل… أمي طلعت مرت أبي!
وأبي طلع جوز أمي!
والأغرب من هيك…أولاد أمي طلعوا إخواتي. وإخوات أبي طلعوا أعمامي!”.
هون الملل وقف على حيله، بلع ريقه،
وحطّ إيده على راسه وقال:
“هسترتيني! لبستِ عقلي بالمقلوب!
أنا قايم أهرب وأنفُد بجلدي قبل ما تبهدليني وتفقديني عقلي، وصير مجنون أحكي مع حالي!”
قلت له:
“يمين وعظيم، من هون ما بتطلع،
قبل ما أحكيلك كيف سِتّي بتطبخ الكشري،بيقوم بيطلع ستي زَبقي!
وكيف رفيقتي لما بتروح زيارة،بتركب السيارة… بس بتوصل بالطيّارة!”
وفجأة، لقيت الملل على الأرض انبطح،
نفخها يا حرام، وسلّم الأمانة.
وسألت حالي: يا عيني عليه… ليه انجلط
وسقط الراية؟!











