
شباب تائه وعلاقات مؤجلة
بقلم: أسماء فايد
في زمنٍ صار فيه الضوءُ أيسرَ من الفكر، والظهور أسبقَ من الجوهر، خرجت علينا “السوشيال ميديا” لا كاختراعٍ للتواصل، بل كعالمٍ بديلٍ يعيد تشكيل الإنسان في صورته ونظرته ومعاييره.
تبدو المنصات في ظاهرها وسيلةً للربط بين القلوب، لكنها في جوهرها صارت أداةً دقيقة لإعادة هندسة الوعي، ولتفكيك البنية الوجدانية للشباب، لا سيّما في علاقتهم بأنفسهم وبالآخر.
لقد خلقت وسائل التواصل واقعًا موازياً، يضج بالوجوه المصفّاة، والكلمات المنمقة، والقصص المزيّفة التي تُروى على أنها حياة. هناك، لا أحد يعيش كما هو، بل كما يُراد له أن يُرى. فيتحول الإنسان من كائنٍ يسعى للمعنى، إلى كائن يسعى للإعجاب. ومن هنا يبدأ الانفصال بين الروح والحقيقة، بين ما نريد وما يُنتظر منّا أن نكونه.
الشباب اليوم يقفون أمام شاشةٍ لا تُظهرهم كما هم، بل كما يجب أن يكونوا ليُقبَلوا. هذه الازدواجية تولّد قلقًا وجوديًا عميقًا، وتدفع الكثيرين إلى البحث عن الحبّ في مكانٍ خالٍ من الصدق، وعن القبول في فضاءٍ لا يعرف الوجوه.
تأثّر مفهوم العلاقة الإنسانية؛ فالمشاعر باتت “أونلاين”، والعلاقات مؤقتة مثل القصص التي تختفي بعد أربعٍ وعشرين ساعة. صار القلب يعتاد الفقد بسرعة، والعين لا تميّز بين الحضور الحقيقي والافتراضي.
أما عن ارتفاع نسبة العنوسة، فالأمر ليس صدفة.
ففي عالمٍ تحكمه المقارنات، تغدو المرأة صورةً تُقاس بجمالها وعدد متابعيها، والرجل معيارًا بمدى نجاحه الظاهر. ضاعت البساطة، واختلت الموازين. لم تعد الفتاة ترى في الزواج شراكةً إنسانية، بل صفقة تتأثر بما تراه من مظاهر الثراء المصطنع، ولا الشاب بات يبحث عن جوهرٍ، بل عن نموذجٍ يوازي ما تُغذّيه إليه المنصات من معايير مثالية.
فترتفع التوقعات، وتتراجع الثقة، ويتحوّل الحلم بالاستقرار إلى قلقٍ من الفشل في عالمٍ لا يرحم من لا يتقن التجمّل.
الفيلسوف “إريك فروم” قال يومًا:
“إن الإنسان المعاصر فقد ذاته حين صار “يُباع ويُشترى كسلعة”.
واليوم، السوشيال ميديا جعلت المشاعر نفسها تُباع، والاهتمام يُقاس بعدد النقرات. إنها تسلب الإنسان قدرته على الصبر، وتغذّي في داخله شعورًا دائمًا بعدم الاكتمال، فيبحث عن الكمال في الآخر ولا يجده.
في النهاية، ليست السوشيال ميديا عدوًّا، بل مرآة ضخمة لخللنا الداخلي.
هي تكشف هشاشتنا، وتضعنا أمام سؤالٍ فلسفيٍّ مرعب:
هل نعيش لنتواصل… أم لنتفاخر؟
هل نبحث عن الحبّ… أم عن “الإعجاب” الذي يشبهه في الشكل ويقتله في المعنى؟
ربما الحل ليس في الهروب منها، بل في إعادة تعريف ذواتنا خارج شاشاتها. أن نستعيد إنسانيتنا كما كانت: تُقاس بالصدق، لا بعدد المتابعين. فحين يعود الإنسان إلى فطرته، ستعود العلاقات إلى معناها، وسيعرف الشباب أن السعادة لا تُلتقط في صورة، وأن الزواج لا يُبنى على إعجابٍ عابر، بل على روحٍ تعرف كيف ترى الآخر كما هو، لا كما يُعرض عليها.













