
من أحسن الأرزاق.. اللسان الطيّب والقلب النقي
بقلم: د. أحمد النجار
من أحسن الأرزاق التي يمنّ الله بها على عباده تلك التي لا تُقاس بالمال ولا تُشترى بالجاه، بل تُغرس في القلوب وتُترجم في السلوك والكلام.
فمن أعظم النعم أن يُرزق الإنسان لسانًا لَبِقًا في حديثه، وحُسن اختيارٍ لكلماته، ومراعاةً لمشاعر الآخرين في حواره وتعامله.
قال الله تعالى:
﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾
[الحج: 24]
فالقول الطيب هداية من الله، لا يصدر إلا من قلبٍ طاهرٍ ونفسٍ نقيةٍ.
وما أروع أن يكون الإنسان سببًا في إدخال السرور على قلب غيره بكلمةٍ طيبةٍ، أو عبارةٍ صادقةٍ تُطفئ غضبًا، وتُعيد الأمل لمن حوله.
وقد قال النبي ﷺ:
«الكلمة الطيبة صدقة»
[رواه البخاري ومسلم]
فهي صدقة لا تُنفق من مالٍ، بل من صفاء النية وحلاوة اللسان. وكم من كلمةٍ صغيرةٍ رفعت شأن قائلها، وكم من لفظٍ جارحٍ أسقط هيبة صاحبه.
لذلك، كان من جوهر الأخلاق الإسلامية أن يزن الإنسان كلماته قبل أن ينطق بها، لأن الكلمة قد تكون طريقًا إلى الجنة أو سببًا في الندم.
قال الله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[إبراهيم: 24]
فالكلمة الطيبة أصلها ثابت في قلب المؤمن، وفرعها يمتد في السماء بأجرها وأثرها الطيب.
إنها لا تذبل ولا تفنى، لأنها تُقال بنيّة الخير وتُثمر حبًّا وسلامًا.
أما القلب النقي، فهو منبع تلك الكلمات الطيبة، فالقلب إذا صَفَا، طاب اللسان، وإذا امتلأ بالخير، خرج منه النور والسكينة.
قال النبي ﷺ:
«كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ»
قالوا: وما مخموم القلب؟
قال: «هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا حسدَ»
[رواه ابن ماجه وصححه الألباني].
فالقلب المخموم هو الرزق الأكبر، لأنه لا يعرف طريقًا للكره أو الغلّ، ولا يفرّق بين الناس إلا بالخير.
ومتى اجتمع اللسان الطيب والقلب النقي، صلح حال الإنسان، وسَعِد من حوله، وعمّ التآلف في بيئته.
قال تعالى:
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾
[البقرة: 83]
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[فاطر: 10]
فالكلمة الطيبة ترتفع إلى الله، والعمل الصالح يرفعها أكثر، لتكون شاهدًا لصاحبها لا عليه.
وفي قوله تعالى أيضًا:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
[آل عمران: 159]
نجد أعظم درس في أن اللين في القول والرفق في المعاملة من دلائل النضج والقوة، لا الضعف كما يظن البعض.
فالرسول ﷺ كان قدوة في الكلمة الطيبة والخلق الرفيع، فاجتمعت حوله القلوب رغم قسوة الظروف وضيق العيش.
وفي زمنٍ كثرت فيه الكلمات الجارحة وتلاشت المجاملات الراقية، بات من الضروري أن نُعيد للكلمة مكانتها، وأن نُربي أنفسنا وأبناءنا على الأدب في الحوار، واحترام مشاعر الآخرين.
فالكلمة قد تزرع حبًّا يدوم، أو تترك جرحًا لا يلتئم.
والقلوب النقية لا تؤذي أحدًا، لأنها تعرف أن الله مطّلعٌ على ما في الصدور، وأن القول مسؤولية.
إن من أعظم الأرزاق أن تُرزق لسانًا لا يؤذي، وقلبًا لا يحقد، وخلقًا يحترم الجميع.
فليكن رزقنا اليومي هو الكلمة الطيبة، نوزعها كما نوزع السلام، نمنحها لمن نعرف ولمن لا نعرف، لعلها تكون سببًا في مغفرةٍ أو رضا.
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾
فالكلمة الطيبة تُعطر الحياة، وتفتح القلوب، وتُقرّبنا إلى الله والناس.
دومتم في أمان الله، بقلوبٍ نقيةٍ، وألسنةٍ طيبةٍ، تنشرون بها الحب والسلام حيثما حللتم.













