
دفعة واحدة من الشخص الصحيح.. قد تغيّر كل شيء
بقلم: د. أحمد النجار
في حياة كلٍّ منّا لحظات مفصلية، تمرّ بنا كأنها نفحة من القدر، تُعيد ترتيب الفوضى داخلنا، وتُشعل فينا ما ظنناه قد انطفأ. أحياناً لا تحتاج إلى سنوات من الدعم أو إلى جموع من الناس حولك؛ بل إلى دفعة واحدة من الشخص الصحيح، إلى كلمة صادقة تُقال في وقتها، أو نظرة تفهمك دون شرح، أو موقف يُعيد إليك الثقة التي كادت تتلاشى.
يقول الله تعالى:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[الذاريات: 55]
فقد تكون تلك “الدفعة” في حقيقتها تذكرةٌ إلهية يرسلها الله لك على هيئة إنسان، يذكّرك بما نسيت من خيرك، ويعيدك إلى الطريق الذي ضللت عنه قليلًا.
كم من شخص كان على وشك الاستسلام، حتى جاءه دعم بسيط من قلب صادق فغيّر وجهته كلها. يقول نيتشه: “من يمتلك سببًا للحياة يمكنه أن يتحمّل أيّ كيفٍ من المصاعب.” وهذا “السبب” أحيانًا لا يأتي من الداخل فقط، بل من شخص يرى فيك ما لا تراه في نفسك، فيعيدك إلى ساحة الحياة بثقة.
إن الدفعة الصحيحة ليست بالضرورة مادية، ولا تُقاس بحجمها، بل بصدقها وتوقيتها. كما قال الشاعر إيليا أبو ماضي:
“كن بلسماً إن صار دهرك أرقما
وحلاوة إن صار غيرك علقما”
فقد يكون هذا البلسم كلمة، ابتسامة، أو حتى نظرة تُشعرك أنك ما زلت تستحق أن تُكمل الطريق.
ويحكي التاريخ قصصًا عن أشخاص كانت حياتهم نقطة تحول بسبب كلمة أو دعم من إنسان آمن بهم. توماس إديسون مثلاً، حين عاد من المدرسة بورقة كتب فيها المعلّم أنه “غبيّ لا يصلح للتعلّم”، لم تيأس والدته، بل قالت له بثقة الأم المؤمنة: “لقد كتبوا أنك عبقري، والمدرسة لا تستطيع تعليمك!”، فكانت دفعتها هذه سببًا في أن يخلق للعالم أكثر من ألف اختراع.
وفي القرآن الكريم، حين خاطب الله نبيه موسى -عليه السلام- قائلاً:
﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[طه: 41]
كانت هذه الجملة وحدها دفعة ربانية عظيمة؛ أكسبته الطمأنينة والقوة ليواجه فرعون ويُتم رسالته.
كم نحتاج نحن أيضًا إلى أن نكون “الدفعة” التي تُحيي روحًا، لا التي تُطفئها. أن نكون صوت التشجيع حين يسود الصمت، وأن نمدّ يد الثقة لمن تزلزلت قدماه. فالكلمة الطيبة صدقة، كما قال النبي ﷺ:
“الكلمة الطيبة صدقة”
[رواه البخاري]
لذلك لا تستهِن بما تقول، ولا تبخل بابتسامة أو رسالة دعم، فقد تكون أنت الشخص الصحيح الذي ينتظره أحدهم منذ زمن.
وفي المقابل، حين يأتيك هذا الشخص، لا تخف من التغيير. افتح قلبك لتلك الدفعة التي قد تقلب حياتك إلى الأفضل. فالله لا يرسل الأشخاص عبثًا، بل يزرعهم في طريقك لحكمة. يقول تعالى:
﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾
[يوسف: 100]
فكل لقاء مقدّر، وكل دفعة صادقة، تحمل في طيّاتها لطفًا إلهيًا لا يُدرك إلا بعد حين.
إن دفعة واحدة من الشخص الصحيح قادرة على أن تُعيدك إلى نفسك، إلى حلمك، إلى الحياة من جديد. لذلك، حين تجد هذا الشخص، تمسّك به، وكن له أنت أيضًا دفعة النور حين يظلم الطريق.
فربّ دفعة واحدة من قلب صادق، تُغيّر اتّجاه العمر بأكمله.













