أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

هوامش غير قابلة للطي_دهشة_هبة محمد زغلول

هوامش غير قابلة للطي

دهشة 

بقلم: هبة محمد زغلول

 

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.

كنت أنظر إليه وهو جالسًا على الأرض، يخط خطوطًا غير مرئية بإصبعه في الهواء،
يتحدث إلى لا أحد، ويبتسم بشيء لا نفهمه.
الضوء المسائي ينساب على وجهه كظل حلمٍ بعيد، وفي عينيه لمعة من يملك سرًا صغيرًا عن الكون.
كل نظرةٍ من عينيه ممر سري إلى كونٍ موازٍ لا تدركه الحواس،
كونٍ تتساقط فيه الجدران ويعود كل شيءٍ إلى حالته الأولى:

دهشة.

من قال إن الصمت فراغ؟
هو امتلاءٌ خالص، ضجيجه في الداخل لا في الخارج،
أما نحن، الكبار، فغارقون في ضوضاء لا تقول شيئًا.
كلما ازداد ضجيجنا، خفتت قدرتنا على السماع والاستمتاع.

لعب الأطفال اللعب ليس هروبًا من الواقع، بل محاولة لإعادة بناؤه كما ينبغي أن يكون.
هم لا يعرفون القوانين التي كبلنا بها عقولنا،
ولا يفهمون الزمن إلا كفضاءٍ يتسع للحلم،
لذا يعيشون اللحظة كما لو أنها أولى اللحظات وآخرها معًا.

متى انكسر الحلم في داخلك للمرة الأولى؟
أكان حين اكتشفت أن القمر لا يسير معك حقًا، بل أنت من تتحرك نحوه؟
أم حين أدركت أن النجوم لا تضيء لأجلك، بل تواصل احتراقها البعيد بلا اكتراث؟

تلك اللحظة التي انطفأ فيها سحر الأشياء البسيطة، كانت أول درسٍ في الخسارة.
ومن بعدها، انفرطت الهزائم الصغيرة كخرز في عقد الأيام،
كل هزيمة تنتزع جزءً من دهشتك، حتى غدونا نكبر لننجو لا لنحلم.
كم خسرنا حين صدقنا أن النضج نقيض البراءة،
وأن الخيال ترفٌ يمكن الاستغناء عنه.
ربما في داخل كلٍ منا طفلٌ ما يزال يلعب بصمتٍ في زاويةٍ مهملة من الروح، يحمل شظايا الضوء الأولى،
ينتظر أن نراه، أو على الأقل… أن نصغي إليه قبل أن يصمت تمامًا
ماحدث أننا ابتعدنا عن عالمنا أكثر مما يحتمل القلب،
حتى صرنا ككائناتٍ ثقيلة لا تعرف كيف تطفو.
لقد نسينا كيف نصنع العوالم من العدم، وكيف نؤمن بأن الغيمة يمكن أن تكون سفينة،
وأن الكرسي يمكن أن يتحول إلى جبلٍ عظيمٍ نتسلقه بمجرد أن نغلق أعيننا.
حين يكبر الإنسان، يتعلم أن يشرح كل شيء،
لكنه يفقد القدرة على الدهشة تلك المعرفة الأولى التي لا تحتاج إلى لغة.

وربما لهذا، يولد الفن، والشعر، والحلم… كمحاولاتٍ يائسة للعودة إلى هناك،
إلى تلك اللحظة الأولى التي لم نكن فيها نعرف العالم، بل نحسه.
أن نحتفظ بالطفل فينا لا يعني أن نظل صغارًا،
بل أن نمنح أرواحنا فرصة أن تتنفس دون خوفٍ من السخرية،
أن نصدق ما لا يُرى، أن نبتسم لما لا يُفسر،
أن نلمس الأشياء كما لو أننا نكتشفها للمرة الأولى.
فالعالم ليس بحاجة إلى مزيدٍ من العقلاء،
بل إلى من يجرؤون على أن يندهشوا من الضوء،
وأن يصغوا إلى الفراغ كأنه موسيقى.

الحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة، بل في الفتات… في الصمت… وفي العادي جدًا.

لنبقها كما هي.. هوامش غير قابلة للطي…

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي