مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين يكون المكان هو السرّ.. التغيير الذي يُعيد للروح بريقها

حين يكون المكان هو السرّ.. التغيير الذي يُعيد للروح بريقها

بقلم: د. أحمد النجار

أحياناً لا تكون المشكلة فيك، بل في المكان الذي يَحُدّ من ضوءك ويكتم لمعانك. كم من إنسانٍ ظُنّ أنه عادي، لا يملك ما يميّزه، حتى غيّر مكانه فإذا به يزهر ويُبهر، لأن البيئة الجديدة أيقظت فيه ما كان نائمًا من طاقات، وحرّرت ما كُبّت من قدرات. التغيير في المكان ليس هروبًا من الواقع، بل هو أحيانًا الطريق الحقيقي لاكتشاف الذات من جديد.

 

الإنسان يشبه النبتة تمامًا، إن وُضعت في تربة قاحلة ذبلت، وإن نُقلت إلى أرضٍ خصبة أزهرت وأثمرت. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة ببلاغةٍ في قوله تعالى:

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾

[الأعراف: 58]

في هذه الآية تأكيد على أن البيئة تؤثر تأثيرًا مباشرًا في العطاء والنماء، وأن الاختلاف في التربة قد يُحدث فرقًا هائلًا في النتيجة، رغم أن البذرة واحدة.

 

كم من شخص عاش في مكان لا يُقدّر الموهبة ولا يحتضن الطموح، فظلّ حبيس الإهمال، تتآكل أحلامه يومًا بعد يوم، حتى قرّر أن يغيّر محيطه. وما إن فعل حتى بدأت ملامح النجاح تلوح في الأفق. فالتغيير لا يعني دائمًا الانتقال الجغرافي فحسب، بل قد يكون في الدوائر الاجتماعية، أو بيئة العمل، أو حتى في طريقة التفكير والنظر إلى الأشياء.

 

يقول الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه:

“قيمة كل امرئ ما يُحسن”

لكن هذه القيمة قد تظلّ خفية إن لم تجد من يقدّرها. ولهذا فإن البيئة التي نعيش فيها قد تكون مرآةً مشوشةً لا تُظهر ملامحنا الحقيقية، فنظن أننا بلا قيمة، بينما نحن فقط في المكان الخطأ.

 

النفس البشرية تحتاج بين حينٍ وآخر إلى هواءٍ جديد، وإلى بيئة تُشجع لا تُحبط، تُلهِم لا تُخمِد، تُنير لا تُطفئ. فالتغيير في المكان يمنحنا تجددًا داخليًا، ويزرع فينا روح النضج والاتزان. الانتقال من دائرةٍ ضيقةٍ إلى أفقٍ أوسع يعيد ترتيب الأولويات، ويُريك نفسك من زاوية لم تكن تراها من قبل.

 

تأمل في قصة سيدنا يوسف -عليه السلام، كيف انتقل من بيئةٍ إلى أخرى في مراحل حياته المختلفة، من بيت أبيه إلى الجب، ومنه إلى بيت العزيز، ثم إلى السجن، ثم إلى عرش مصر.

كانت كل مرحلةٍ تبدو قاسية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كانت طريقًا للتمكين واكتمال القدر. يقول الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾

[يوسف: 21]

وكأن الآية تقول لنا إن الانتقال أحيانًا ليس عقوبة، بل وسيلة إعداد وتمكين.

كذلك أنت، ربما لا تحتاج أكثر من أن تُغيّر مكانك لتلمع، أن تخرج من دائرةٍ لا تُقدّرك إلى فضاءٍ يُنصفك. ليس عيبًا أن تغادر حيث لا تُحتَرم قيمتك، ولا ضعفًا أن تبدأ من جديد في بيئةٍ تُنصت لصوتك وتحتضن قدراتك. التغيير في المكان لا يغيّر قدرك بقدر ما يغيّر نظرتك إلى نفسك وإلى الحياة.

 

ولعل أعظم ما يميّز الإنسان القادر على التغيير أنه لا يخاف من التجربة، لأنه يعلم أن الركود يُميت الروح، بينما الحركة تُعيد إليها الحياة. فكما أن الماء إذا ركد أسنّ، كذلك القلب والعقل إن ظلا في نفس الدائرة ذبلا وخمدا.

وفي النهاية، تذكّر أن الله تعالى يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

[الرعد: 11]

لكن هذا التغيير قد يبدأ بخطوة بسيطة نحو بيئةٍ أكثر اتساعًا ودفئًا. فربّ مكانٍ جديد يُخرج منك نسخةً أفضل مما كنت تظن، وربّ قرار انتقالٍ واحدٍ يُعيد للروح بريقها بعد طول خفوت.

التغيير ليس مغامرةً بلا حساب، بل هو إيمان بأن الله أودع فيك نورًا لا بد أن يسطع، فقط ابحث عن المكان الذي يُظهره.

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي