
حين يرضى الله عنك.. تأتي نجاتك في ثوب سترٍ لا يُرى
بقلم: د/ أحمد النجار
حين يرضى الله عنك.. لا تحتاج أن تطلب النجاة، فهي تأتيك من حيث لا تحتسب، في هيئة سترٍ جميلٍ يغطّي عيوبك، ويُخفي زلّاتك، ويُجمّلك في أعين الناس بما ليس فيك. ذلك الستر الإلهي هو أعظم نعمة قد تُعطى للعبد، لأنه لا يرفعك فقط في أعين الخلق، بل يحميك من انكسار النفس، ويمنحك فرصة جديدة لتبدأ من جديد.
إن رضا الله ليس شيئًا يُنال بالكلام أو بالتمنّي، بل هو ثمرة إخلاصٍ، وصبرٍ، وصدق نية، ومجاهدةٍ للنفس. قال تعالى:
﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
[التوبة: 100]
وهذا أعظم مقام يمكن أن يبلغه الإنسان، أن يرضى عنه خالقه، فيرضى هو أيضًا بقدره، فيصبح في سلامٍ داخليٍ لا تهزه العواصف.
حين يرضى الله عن عبدٍ.. يُيسّر له أسباب الستر قبل أن يقع في الانكشاف. كم من إنسانٍ أخطأ، ولكن الله صرف عنه الأنظار، وأغلق الأبواب التي كان يمكن أن تفضحه. وكم من عبدٍ زلّ زلةً عظيمة، ولكن الله سترها عليه حتى يتوب، ويعود إليه بدموع الندم. كما جاء في الحديث الشريف حين قال رسول الله ﷺ:
“كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه”
[رواه البخاري]
فالستر إذن علامة محبة، وليس ضعفًا أو تساهلًا. إن الله لا يستر عبدًا إلا ليمنحه فرصة جديدة للرجوع، ليقول له: “ما زالت أبواب رحمتي مفتوحة لك”. ولهذا قال ﷺ:
“من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة”
[رواه مسلم]
فكما تعامل الناس، تُعامَل، وكما تسترهم، يسترك الله.
وما أجمل الستر حين يأتي في لحظة ضيقٍ كنت تظن أنها نهايتك، فإذا بها بداية جديدة تصنع منك إنسانًا أقوى وأقرب إلى الله. قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: 2-3]
وهذا المخرج قد يكون سترًا من الناس، أو نجاةً من مصيبة، أو سلامًا في قلبٍ مضطرب.
كم من مرةٍ كنت على وشك الوقوع في مأزقٍ شديد، ثم حدث أمر بسيط صرف عنك الخطر، دون أن تدرك أن ذلك كان تدبيرًا ربانيًا خفيًا. هنا فقط تدرك أن الله حين يرضى عنك، يُنقذك ستره قبل أن تطلب النجاة، وأن رحمته تسبق عقوبته، وستره أعظم من عدله في حق عباده التائبين.
وحين يرفع الله عنك الغطاء لحظةً واحدة، تدرك كم كنت غارقًا في نعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، وكم كان ستره يحيط بك في كل حين. قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه:
“عجبت لمن يهلك والنجاة بين يديه، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار”.
فالاستغفار هو مفتاح الستر، وسبب الرضا الإلهي. وكلما أكثر العبد من التوبة والاستغفار، ازداد ستر الله عليه في الدنيا والآخرة.
وفي لحظةٍ ما، حين يرضى الله عنك، لن تحتاج إلى دفاعٍ عن نفسك، ولا إلى تبريرٍ لأخطائك، فالله هو من يُلهم القلوب لتراك بعين الرحمة، لا بعين الحكم. حينها تعلم أن النجاة ليست قوة منك، بل كرمٌ من الله.
ختامًا.. تذكّر دائمًا أن الستر نعمة لا تُقاس، وأن الرضا الإلهي هو الغاية التي إن بلغتها، أغناك الله عن كل شيء. فاسعَ إلى أن يرضى الله عنك، فإن رضي، ستر، وإن ستر، نجاك، وإن نجاك، رفعك في الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾
[النجم: 32]
رضا الله هو الغاية، والستر هو علامته، والنجاة هي ثمرته.













