حين يَصْمُتْ الشَغَفْ وتتزاحم الفُرَصْ.. تضعك الحياة أمام اختيار يكشف حقيقتك

حين يَصْمُتْ الشَغَفْ وتتزاحم الفُرَصْ.. تضعك الحياة أمام اختيار يكشف حقيقتك
بقلم: د. أحمد النجار
في لحظات كثيرة من عمر الإنسان، تحدث مفارقة غريبة.. عندما تهدأ الرغبة، وتتراكم الفرص أمامه، يبدأ الامتحان الحقيقي للنفس. فالرغبة تُحرّك، لكن الوفرة تختبر، وعندما يهدأ الشغف الأول وتتزاحم الأبواب المفتوحة، هنا يظهر معدن القرار، وعمق البصيرة، وقوة الإرادة.
الإنسان بطبيعته يميل إلى السعي حين يكون الشيء قليلًا أو بعيدًا، فإذا اقترب وتضاعفت الخيارات، تراجع اندفاعه أحيانًا. وهذا يُشبه ما أشار إليه القرآن الكريم في وصف حال الإنسان المتقلب بين الشدة والرخاء:
﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾
(يونس: 12)
فالآية تكشف طبيعة بشرية خفية.. ندفع عند الاحتياج، ونتراخى عند الراحة.
وحين تتزاحم الفرص أمامك.. عمل، علاقة، سفر، مشروع، أو حتى قرار بسيط في حياتك اليومية تدخل مرحلة أدق.. مرحلة الفرز، هنا لا تتحرك بدافع الندرة، بل بدافع الحكمة. في هذا الموضع يرتفع منسوب الوعي، وينخفض وهج الانبهار. فمن لم تعلّمه الأيام كيف يميّز، تُغرقه الوفرة.
وقد أشار النبي ﷺ إلى أهمية التروّي والاتزان في اتخاذ القرار، فقال:
“التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ”
فكثرة الخيارات قد تدفع البعض إلى التشتت أو الاندفاع غير المدروس، بينما يدعو الحديث إلى الوقوف قليلًا، والتفكير بهدوء، واختيار الطريق الذي يبقى لا الذي يلمع فقط.
ومع زحمة الفرص، قد يختبر الإنسان ذاته أكثر من أي وقت مضى. فقد يكتشف أنه لم يكن يريد ما كان يظنه رغبة، أو أن الطريق الذي ركض خلفه طويلاً لم يعد يعني له ما كان يعنيه. وهذا ما تعبر عنه الآية:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
(البقرة: 216)
فقد تكون الفرص التي ظهرت الآن نتيجة ترتيب إلهي، أو بابًا كان مغلقًا في وقت لم تكن مستعدًا له.
والإنسان الحكيم لا يختار بالصدفة، ولا يتبع البريق، بل يسأل نفسه أسئلة حقيقية:
– أي خيار ينسجم مع قيمتي؟
– أي طريق يجعلني أقرب إلى نفسي، إلى راحتي، إلى مستقبلي؟
– أي قرار سيبقى أثره بعد أن يهدأ كل شيء؟
ولذلك قال النبي ﷺ في حديث جامع:
“احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز”.
فالفرص الكثيرة ليست دعوة للتيه، بل ميدان لاختيار ما ينفع حقًا، وما يصنع مستقبلًا، لا مجرد لحظة إعجاب.
وفي زمن تتكاثر فيه المغريات وتزدحم الخيارات بشكل غير مسبوق، يصبح أهم ما يميّز الإنسان هو قدرته على الاختيار لا قدرته على الامتلاك. فالقيمة الحقيقية ليست في كثرة البدائل، بل في حكمة الالتزام بواحد منها.
وتبقى الحقيقة الأعمق أن الرغبة قد تنتهي، لكن المعنى هو الذي يبقى. والفرص قد تتزاحم، لكن القرار الذي يُبنى على بصيرة يظل ثابتًا لا تهزه كثرة الأبواب.
هكذا تتعامل مع الحياة حين تتوقف الرغبة وتكثر العروض:
تنتقي.. لا تتشتت.
تتأنى.. لا تتعجل.
تختار.. لا تنجرف.
وبذلك تعبر الامتحان الذي لا يراه الآخرون، لكنه يحدد مسار عمرك كلّه.













