
ثم ماذا؟ حين ينهض القلب من عثرته..
بقلم: د/ أحمد النجار
ثم ماذا؟
ثم إنّ رحلة الإنسان مع نفسه رحلة طويلة، تتأرجح بين نورٍ يشده إلى السماء، وهوى يدعوه إلى الأرض. يجاهد تلك النفس الأمارة بالسوء؛ تغلبه تارةً فينكسر، ويغلبها تارةً فينتصر، ليبقى واقفًا بين ضعفه وحنين قلبه إلى ربه، حتى يلقى الله بقلبٍ لم يخلُ من الذنوب، لكنه امتلأ صدقًا ورجاءً وإصرارًا على العودة.
ذاك القلب الذي قد ينام على معصية، ثم يستيقظ وقلبه يرتجف من ألم الذنب، فينفض فراشه كمن ينفض عن روحه غبارًا أثقلها. قلبٌ قد يستمع للأغاني فتتسلل الشهوة إليه، ثم لا يلبث أن يلين حين يتردد في أذنه صوت القرآن، فينشق في داخله نورٌ يشقّ عتمته.
قلبٌ يجتهد في النوافل رغم تقصيره في الفرائض، ويحمل في داخله من الأسرار ما لو عرفه الناس لأعرضوا عنه، ومع ذلك لا يغلق باب الرجاء، ويبقى بينه وبين ربه نافذة مفتوحة مهما أثقله الذنب.
وقد وصف الله حال هؤلاء الصادقين مع أنفسهم فقال:
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: 102]
فالطريق ليست مخصّصة للطاهرين فقط، بل هي مفتوحة للمنكسرين، للمتخبّطين، للذين يعرفون أنهم ليسوا كاملين، ولكنهم صادقون في محاولتهم.
ويقول النبي ﷺ مطمئنًا كل قلبٍ أنهكته الذنوب:
«كلُّ ابنِ آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون»
(رواه الترمذي)
ويقول ﷺ:
«إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل»
(رواه مسلم)
وعلى طريق المجاهدة هذا، نجد فئةً أخرى سامية من عباد الله، صدقوا العهد وثبتوا على الطريق، لا لكونهم بلا ذنب، ولكن لأن قلوبهم وفية لا تخدع نفسها ولا تسترسل مع الغفلة.
قال تعالى:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
[الأحزاب: 23]
صدقوا لا بالعصمة، بل بالصبر.
ثبتوا لا بخلوّهم من الضعف، بل بصدق التوبة كلما زلّت أقدامهم.
ثم يختم الله الآيات بقوله:
﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الأحزاب: 24]
فحتى المنافق وهو في أبعد المقامات فتح الله له باب التوبة، فكيف يُغلق الباب في وجه قلب تائه، لكنه صادق في بحثه؟
إن الطريق إلى الله ليس صعودًا بلا عثرات، بل هو طريق مليء بالسقطات التي تعلّمنا، والدموع التي تزكّينا، والعودات التي تُقوّم خطواتنا.
وقد جعل الله النجاة لمن جاءه بقلبٍ سليم:
﴿إِلَّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء: 89]
والقلب السليم ليس الذي لم يخطئ، بل الذي لم يُصِرّ، ولم يُكابر، ولم يُغلق نافذة الرجوع.
فيا رب..
اجعل لنا نصيبًا بين الصادقين.
اللهم ارزقني وارزق كل قلبٍ منكسر قلبًا سليمًا نأتيك به يوم القيامة، قلبًا يعرف ضعفه، ويعرف أنك أرحم به من نفسه.
اللهم افتح لنا أبوابك التي لا تُغلق، وجدّد أرواحنا كلما أتعبتها الذنوب.
واجعلنا برحمتك من الذين إذا سقطوا نهضوا، وإذا بَعُدوا عادوا، حتى نصل إليك بصدقٍ يليق بجلالك.













