علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

من الباب الخلفي.. حكاية الشك حين يتسلّل للإنسان

المقال الأول من السلسلة

من الباب الخلفي.. حكاية الشك حين يتسلّل للإنسان

 

بقلم: رشا علواني 

 

لا أحد يبدأ رحلته مع الشك بقرار واعٍ.

لا أحد يستيقظ في صباح عادي ليقول لنفسه: “أريد أن أشك اليوم.”

فالشك ليس فكرة تُزرع فجأة في الوعي، ولا ثورة عقلية تنفجر بلا مقدمات.

الشك -في حقيقته- يتحرّك مثل ظلّ طويل.. لا نراه في البداية، لكنه يتمدّد ببطء حتى يغطي المساحة كلها.

 

حكاية الشك ليست حكاية عقل يبحث عن دليل، بل حكاية روح تعبت من الصمت.

ومَن يظن أن الشك قضية فكرية صِرفة، يتجاهل أن أغلب التحولات الكبرى في حياة الإنسان تبدأ من ألم لا من فكرة.

فالإنسان حين يتألم، يتحرك عقله في اتجاهات لم يكن يتخيّلها.

حين يبدأ الشك كهمسة لا تُسمع

الشك لا يدخل من باب العقل الواسع، بل من ثغرة صغيرة في القلب.

قد تكون تلك الثغرة:

خيبة أمل شديدة.

أو تجربة ظلم أرهقته.

أو دعوة صادقة ظن أنها لم تُستجب.

أو إحساس داخلي بأن العالم يمشي في اتجاه غير مفهوم.

أو صورة دينية قاسية لم يعرف كيف يتصالح معها.

 

البداية بسيطة جدًا… سؤال صغير يُهمَل.

ثم سؤال أكبر يُؤجَّل.

ثم إحساس بأن الإجابات المعتادة لم تعد ترضي الروح.

كل سؤال غير مُجاب يظل واقفًا في الداخل مثل طفل ينتظر أحدًا يلتفت إليه.

وحين يطول الانتظار، يتكاثر السؤال ويتحوّل إلى صوت.

ومع الوقت يصبح الصوت فكرة… ثم شكًّا… ثم قناعة.

صدمة واحدة قد تغيّر اتجاه الإيمان.

هناك تجارب تعبر على الروح فلا تتركها كما كانت.

وفقدان عزيز، أو مرض قاسٍ، أو انهيار علاقة، أو خيانة نفسية—كلها أحداث تحمل قدرة على تكسير شيء في الداخل.

وعندما ينكسر ما كان يعطي الإنسان معنى، يبدأ العقل في البحث عن معنى جديد.

علم النفس العميق يربط بين الصدمة وبين تغيّر أنماط التفكير الروحي.

فالإنسان حين يفقد إحساسه بالأمان، يبدأ في إعادة بناء كل شيء: حياته، علاقاته، وحتى إيمانه.

الشك هنا ليس rebellion أو رفضًا للدين، بل محاولة لفهم:

“لماذا حدث هذا؟”

“هل كنت مخطئًا؟”

“هل العالم فعلاً عادل؟”

“أين كان الله حين احتجته؟”

 

هذه الأسئلة قاسية لأنها تحمل ألمًا، لا لأنها تحمل كفرًا.

والإجابات القاسية عليها تزيد الشك قوة، بينما الاحتواء يخفّف حدّته.

 

الأسئلة التي لم تجد مكانًا آمنًا..

هناك بيئات ترى السؤال ضعفًا، وترى التفكير تهديدًا، وترى الفهم رفاهية.

وفي هذه البيئات، يبدأ الإنسان في الشعور بالخوف من طرح ما يدور بداخله.

وهنا يتحوّل السؤال إلى سرّ، والسرّ إلى عقدة، والعقدة إلى اضطراب فكري.

 

الشك لا يحب الضوء.

حين نمنع الإنسان من السؤال، فإننا ندفعه إلى المساحات المظلمة داخل نفسه، وهناك… تتكاثر الهواجس.

المساحة الآمنة للسؤال ليست رفاهية تربوية أو ثقافية، بل هي شرط أساسي لصحة الإيمان نفسه.

فالإيمان الذي يخاف الأسئلة هش..

أما الإيمان الذي يراها جزءًا من الرحلة فهو إيمان ينمو.

الشك كتمرّد نفسي… لا كفكرة فلسفية.

الكثير ممن يمرّون بتجربة الشك ليسوا ملحدين بالمعنى الفلسفي للكلمة.

هم فقط يرفضون النسخة الأولى من الإيمان التي عرفوها.

قد تكون نسخة قاسية، أو مليئة بالتهديد، أو ترتبط بشخص مؤذٍ، أو مرتبطة بطفولة تحمل خوفًا دائمًا.

 

هؤلاء لا يرفضون الله..

هم يرفضون صورة بشرية عن الله لم يعرفوا كيف يتصالحون معها.

 

في علم النفس، يُسمّى هذا التصحيح الوجودي.. حيث يعيد الإنسان بناء العلاقة مع المقدّس بشكل أعمق وأكثر نضجًا.

الشك هنا يصبح مرحلة انتقالية، لا نهاية الرحلة.

مثل غرفة مظلمة يمرّ فيها الإنسان قبل أن يخرج إلى ضوء جديد.

 

السوشيال ميديا.. المسرح المفتوح للشك

في العالم الحديث، لم يعد الشك شيئًا يُخبّأ.

بل أصبح موضوعًا يتم تداوله في كل مكان: فيديوهات، نقاشات، محتوى نقدي، تجارب شخصية، شهادات عالمية.

والإنترنت لا يقدّم فقط أسئلة، بل يقدّم أيضًا قصصًا وتجارب وأفكارًا بديلة.

 

أزمة الجيل الجديد ليست كثرة المحتوى، بل غياب التوازن.

هناك نقد قوي وذكي وعالمي، وفي المقابل… يندر المحتوى الذي يعالج البعد الإنساني للشك.

فالقارئ لا يحتاج شخصًا يقول له “إنت غلط”.

هو يحتاج شخصًا يسأله:

“بتتألم من إيه؟

وبتسأل ليه؟

وإيه اللي خوّفك؟”

 

حين نحتوي الإنسان، تتراجع حدّة الشك تلقائيًا.

وحين نهاجمه، ينكمش داخليًا ويبحث عن ملاذ آخر.

 

لماذا يتسلّل الشك إلى النفوس الحساسة أكثر؟

النفوس العميقة، المفكّرة، الحاسة، التي تراقب حياتها بصدق…

هي الأكثر عُرضة للشك.

ليس لأنها أضعف، بل لأنها أكثر وعيًا.

في علم النفس، هناك نماذج لشخصيات حسّاسة معرفيًا، رؤيتها أعمق من غيرها.

هذه الشخصيات تسأل كثيرًا، وتبحث كثيرًا، وتتألم كثيرًا، وتفكّر في معنى الحياة دائمًا.

 

ومَن يبحث بصدق.. سيصل يومًا إلى منطقة رمادية داخل نفسه، وهنا تبدأ رحلة الشك.

الشك أحيانًا وسيلة للحماية… قبل أن يكون موقفًا فكريًا.

أحيانًا يصبح الشك درعًا نفسيًا:

حماية من الذنب..

من الخوف..

من صورة الهلاك..

من خطاب ديني مؤذٍ..

من علاقة روحية مليئة بالرهبة لا بالرحمة.

 

في هذه الحالة، الشك ليس هجومًا على الإيمان، بل محاولة للنجاة من الألم.

الإنسان هنا لا يقول: “لا أؤمن.”

بل يقول:

“أشعر أني مكسور… ولا أستطيع أن أؤمن بالطريقة القديمة.”

 

كيف نغلق الباب الذي يتسلّل منه الشك؟

الإجابة ليست مناظرة، ولا وعظًا، ولا تخويفًا.

بل ثلاث خطوات نفسية عميقة:

1) مساحة آمنة للسؤال

كي يشعر الإنسان أنه مسموح له بالتعبير، دون محاكمة أو تهديد.

2) علاقة صحية مع صورة الله

علاقة رحيمة، قائمة على الفهم، لا على الخوف.

حين يرى الإنسان الله كملاذ… يتوقف عقله عن الهروب.

3) إيمان ناضج لا يعتمد على الناس.

الإيمان الذي يرتبط بمواقف البشر هش…

والإيمان الذي يرتبط بالله مباشرة… ثابت.

 

ختامًا.. بداية الحكاية

حكاية الشك ليست دعوة للشك.

هي دعوة لفهم الإنسان حين يتشكّك.

لفهم مناطق الظل داخل النفس..

لفهم الألم الذي يفتح الباب..

ولفهم الصمت الذي يتسلّل منه السؤال.

هذه السلسلة ليست لتفنيد الإلحاد، بل لفهم الرحلة النفسية التي يمر بها أي إنسان حين يبدأ ضوء اليقين في الخفوت.

فالشك ليس نهاية الطريق…

بل مرحلة من مراحل النمو الروحي.

وكل سؤال، مهما بدا مؤلمًا، يمكن أن يصبح جسرًا للعودة… إن وُجدت يد تمسك بالقلب قبل أن تمسك بالفكرة.

 

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي