أسرار بناء بناء الحبكة في قصص القرآن الكريم.. قصة نبي الله ذو الكفل

أسرار بناء بناء الحبكة في قصص القرآن الكريم.. قصة نبي الله ذو الكفل
بقلم: مصطفى نصر
ذو الكفل -عليه السلام- هو أحد الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن الكريم بالاسم، ويُعتقد أن اسمه الأصلي هو بشر أو حزقيل، لكن لم تُذكر له قصة مفصلة كما حصل مع كثير من الأنبياء الآخرين (مثل موسى أو يوسف أو نوح). ذُكر اسمه مرتين فقط في القرآن: في سورة الأنبياء (الآيات 85-86): “وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ” وفي سورة ص (الآية 48): وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ”
من الآيتين يتضح أن الله مدح ذا الكفل بأنه:
– من الصابرين.
– من الصالحين.
– من الأخيار (الخيرين).
* وأكد أنه نبي وليس رجلًا صالحًا كما قال بعض المفسرين.
لكن القرآن لم يذكر شيئًا عن قومه، ولا عن معجزاته، ولا عن زمانه أو مكانه، كل ما توفر لنا عنه كان من أقوال المفسرين في شخصية ذي الكفل..
هناك اختلاف كبير بين المفسرين في تحديد هوية “ذا الكفل”، وأشهر الآراء هي:
1. هو نبي مستقل من بني إسرائيل، هذا قول الجمهور من المفسرين (الطبري، القرطبي، ابن كثير، الشوكاني، السعدي… إلخ).
يقولون إن اسمه “ذا الكفل” لقب وليس اسمه الحقيقي، ومعناه “صاحب الكفالة” أي الضامن والكافل.
2.أنه بشر بن أيوب -عليهما السلام: وهي رواية ضعيفة، لكنها موجودة عند بعض المفسرين.
3. أنه اليسع عليه السلام نفسه.
كما قال بهذا بعض التابعين مثل مجاهد.
4. أنه حزقيل (حزقيال) النبي، وهذا من الروايات الإسرائيلية التي ذكرها الواحدي وابن عساكر وغيرهما.
5. أنه كان ملكًا صالحًا وليس نبيًا وهو قول ضعيف جدًا، رفضه أكثر المفسرين لأن الله ذكره مع الأنبياء (إسماعيل، إدريس، اليسع…) فلا يليق أن يُذكر ملك عادي معهم.
ولعل أشهر القصص التي ذكرها المفسرون عن سبب تسميته “ذا الكفل” هي القصة الأكثر شهرة، (ومعظمها من الإسرائيليات ولكنها مقبولة عند كثير من المفسرين لأنها لا تعارض القرآن) هي:
كان هناك نبي من أنبياء بني إسرائيل (أو رجل صالح) مرض أو كبر في السن، فجمع قومه وقال لهم:
“من يكفل لي ثلاثة شروط فأجعله خليفتي من بعدي؟
1. يقضي بالحق بين الناس.
2. يصوم النهار.
3. يقوم الليل يصلي ولا يغضب أبدًا”
فسكت الناس جميعًا، فقام رجل (أو شاب) وقال: “أنا أكفل ذلك”.
فاستخف النبي به وقال: “أنت؟!” ثم أعاد السؤال فلم يقم أحد، فقال الرجل مرة ثانية: “أنا”.
فجعله النبي خليفة من بعده.
فلما تولى الأمر، جاءه الشيطان متخفيًا في صورة شيخ كبير فقير، وطرق بابه وقت الظهيرة (حين ينام الناس)، فقال له:
“إن لي خصمًا ظلمني في أرض أو مال، فاحكم لي بالحق”.
فخرج إليه ذو الكفل وقال: “إن خصمك ليس موجودًا الآن، ارجع آخر النهار”.
فرجع الشيطان متعمدًا آخر النهار حين يستعد ذو الكفل للنوم، فطرق الباب بشدة، فخرج غضبان وقال: “ألم أقل لك ارجع آخر النهار؟”
فقال الشيخ: “إنهم كلما جئتُهم طردوني”.
فجلَس ذو الكفل ينتظره حتى الليل، فلما لم يأتِ الخصم نام.
ثم كرر الشيطان ذلك ثلاثة أيام متتالية، وفي اليوم الثالث غضب ذو الكفل غضباً شديداً وقال: “والله لا أنام حتى أحكم لك!”
فكشف الشيطان عن نفسه وقال: “أنا إبليس، ما كان لك خصم ولا مظلمة، إنما أردت أن أغضبك فتفطر على غضب أو تنام غضبان”.
فاستغفر ذو الكفل ربه، ثم جدد عزمه، فكان بعد ذلك لا يغضب أبداً، فسماه الله “ذا الكفل” أي صاحب الكفالة والضمان لعهده.
(ذكر هذه القصة بتفاصيل متقاربة: ابن أبي حاتم، الطبري، ابن كثير، البغوي، القرطبي… وغيرهم)
قال العُلَيْمي في تفسيره فتح الرحمن: {وَذَا الْكِفْلِ} هو بشر بن أيوب، بعثه الله بعد أبيه، وسماه ذا الكفل. اهـ.
وقال النويري في نهاية الأرب: اختلف العلماء فى (ذي الكفل) من هو؟ فقال الكسائي: هو ابن أيوب -عليهما السلام. اهـ.
وقيل إن أيوب كان نبيًا في زمن يعقوب -عليه السلام.
قال مكي بن أبي طالب في تفسيره الهداية إلى بلوغ النهاية: روي أن أيوب كان نبيًا في عهد يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم. وكان عمر أيوب ثلاثًا وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب. اهـ.
وفي تفسير القرطبي عند قوله تعالى:
“وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ”
[ص: 41]
قال: امرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن يعقوب، وكانت أمه ابنة لوط. اهـ.
وقال الطبري في تاريخه: كانت زوجته التي أمر بضربها بالضغث ابنة ليعقوب بن إسحاق، يقال: لها ليا، كان يعقوب زوجها منه. اهـ.
فإن صح هذا، فقد تكون السيدة إليا هي ابنة نبي الله يعقوب، وزوج نبي الله أيوب، وأم نبي الله ذي الكفل. ولكن المشهور خلاف هذا.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: وامرأة أيوب قيل: اسمها ليا بنت يعقوب. وقيل: رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وهذا أشهر. اهـ.

وفي الخلاصة
– القرآن لم يذكر قصة تفصيلية لذي الكفل، فقط مدحه بالصبر والصلاح والخيرية.
– الجمهور على أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل.
– أشهر سبب لقبه “ذا الكفل”: كفالته (ضمانه) لعهود صعبة (الصيام والقيام والحكم بالعدل وعدم الغضب)، وانتصر على إغواء إبليس.
* جماليات الحبكة والسرد والدراما
(تحليل أدبي درامي للرواية التي ذكرتها من التفاسير) فرغم أن القرآن لم يسرد قصة ذي الكفل تفصيلاً، فإن الرواية التي نقلها المفسرون (ابن كثير، القرطبي، البغوي…) تُعدّ من أجمل نماذج الحبكة القصصية القصيرة في التراث الإسلامي، وفيها كل عناصر الدراما الكلاسيكية بطريقة مكثفة ومشوقة.
البنية الدرامية الكلاسيكية:
* المقدمة:
نبي كبير/مريض يبحث عن خليفة صالح يتحمل ثلاثة شروط صعبة، يضع الرهان العالي من أول لحظة: «من يكفل؟» وهي مقدمة تولد توتراً فورياً
* الحدث المثير:
يتقدم الشاب/الرجل مرتين ويُقبل رغم استغراب الناس فالبطل غير متوقع لأنه في حياته السابقة ارتكب كل صنوف الآثام، ويحبّه المتلقي فوراً لأنه أصبح بطلا من خانة غير المتوقع، وحتى أن النبي اليسع نفسه لم يحمله محمل الجد، إلا بعد أن كرر النداء مرتين ولم يستجب غيره.
* التصعيد:
الشيطان يتنكر في صورة شيخ فقير ويطرق الباب ثلاثة أيام في أوقات النوم تكرار ثلاثي كلاسيكي (قاعدة الثلاثة في السرد)، كل يوم يزداد التوتر.
* الذروة:
ذو الكفل يغضب في اليوم الثالث ويقسم «والله لا أنام حتى أحكم لك!» لحظة انكسار مؤقتة للبطل في أعلى درجة عاطفية.
* الانقلاب/الكشف:
(الشيطان يكشف عن نفسه: «ما كان لي خصم، إنما أردت أن أغضبك» أقوى انحراف في مسار القصة بأكملها، يقلب توقعات القارئ رأساً على عقب.
* الحل: ذو الكفل يستغفر ويجدد العزيمة فيصبح لا يغضب أبداً وبذا يستحق لقب «ذا الكفل».
* نهاية مرفوعة مع مكافأة أخلاقية.
الكفل، وهي نهاية مرفوعة مع مكافأة أخلاقية.
* جماليات السرد:
* الاقتصاد الشديد في الكلمات، فالقصة كلها لا تتجاوز بضع دقائق قراءة، لكنها تحمل كل العناصر: (شخصيات، صراع، ذروة، حل)
– التكرار الإيقاعي الثلاثي: (يطرق الباب ثلاثة أيام – يغضب في اليوم الثالث) يعطي المقطعان إحساسًا شعريًا وتوترًا موسيقيًا.
– الحوار الحي:
– كل الكلام طبيعي جدًا (ألم أقل لك ارجع آخر النهار؟) «والله لا أنام حتى أحكم لك!») يجعل القارئ يعيش المشهد سينمائيًا.
– التنكر: ظهور الشيطان في صورة شيخ فقير، من أقدم وأجمل الحيل الدرامية في كل التراث الإنساني حتى (هوميروس وشكسبير).
* الصراع الدرامي متعدد الطبقات:
– إنسان في مواجهة إنسان:
فذو الكفل في مواجهة الشيخ الفقير (الظاهر)، يخدع القارئ مع البطل.
– إنسان في مقابل شيطان:
ذو الكفل في مواجهة إبليس (الحقيقة) صراع كوني أسطوري، جذوره ممتدة للقدم منذ خروج آدم عليه السلام وزوجه مناجاتك بمكيدة شيطانية.
* إنسان في مواجهة نفسه:
ذو الكفل ضد غضبه، وهو الصراع الأعمق والأجمل أخلاقياً، (جهاد النفس).
* القيمة الدرامية والأخلاقية في آن واحد:
القصة لا تُمتع فقط، بل تُعلّم أن أعظم انتصار هو انتصار الإنسان على نفسه.
– الشيطان لا يأتي دائماً بمعاصٍ كبيرة، بل قد يبدأ بـ«تأخير صلاة أو نوم على غضب».
– لقب «ذا الكفل» نفسه هو الجائزة الدرامية الكبرى: تحول الاسم من مجرد كفالة بشرية إلى صفة إلهية مدحية في القرآن.
* خلاصة جمالية:
قصة ذي الكفل هي «دراما مثالية مكثفة» تبدأ بسؤال بسيط «من يكفل؟» وتنتهي بلقب قرآني خالد، وفي الطريق تمر بكل منحنى درامي ممكن (رهان – اختبار – خداع – غضب – كشف – نصر أخلاقي)، لهذا تظل واحدة من أجمل القصص القرآنية غير المذكورة مباشرة في القرآن، لكنها صيغت بأيدي المفسرين بصورة فنية عالية جداً.
* جماليات الألفاظ والصور والتراكيب:
تحليل بلاغي أدبي دقيق للرواية كما وردت في كتب التفسير)
* الكلمة المفتاحية “الكَفَلَ والكَفَالَة”، كلمة «كفل» نفسها هي الجوهرة البلاغية للقصة كلها.
– أصلها: الكفيل والضامن والحامل للتبعة عن غيره.
– وفي القصة تحولت من مجرد فعل بشري (أنا أكفل) إلى لقب إلهي قرآني (ذا الكفل) وهذا أجمل نوع من الجناس الناقص والاشتقاق الدلالي: الكلمة نفسها صعدت من مستوى اللغة العادية إلى مرتبة التنزيل القرآني.
* الصورة الحسية المكثفة:
أ. صورة «الطرق على الباب» ثلاث مرات في أوقات النوم.
– «فجاءه في الظهيرة والناس نيام»، «ثم جاءه عشية»، «ثم في آخر الليل» وهي كلها صورة سمعية وبصرية في آن: صوت الطرق يمزق سكون البيت والهدوء الروحي، وكأن كل طرقة تخترق طبقة من النفس.
ب. صورة «الشيخ الفقير المنحني الظهر:
– شيخ كبير، ضعيف، متضرع، في أجمل تضاد بصري: أضعف خلق الله ظاهرياً هو أقوى أعداء النفس حقيقة (إبليس).
ج. صورة «ذو الكفل يخرج غضبان»: “فخرج وقد اشتد غضبه” حركة جسدية تعبر عن انهيار داخلي مؤقت، ثم تعود إلى السكينة بعد الكشف.
* الرموز الكبرى في القصة:
* الباب وهو الحد الفاصل بين الظاهر والباطن، بين الدنيا والخلوة.
الثلاثة أيام: رمز العدد الكامل في التراث (ثلاثة أيام يونس في بطن الحوت، ثلاثة أيام صوم أهل الكهف، تلاثة أيام صمت زكريا، ثلاثة أيام انذار صالح ويونس لقومهم.
* الظهيرة والعشية: أوقات الفتور الإنساني الطبيعي وأخطر لحظات المجاهدة للنفس.
* الشيخ الفقير: رمز الفتنة المقنعة بالضعف والمظلومية
* القسم «والله لا أنام» | لحظة الارتداد من الهزيمة إلى العزيمة الجديدة.
* اللقب: “ذا الكفل”: رمز العهد المحفوظ الذي صار اسماً خالداً في كتاب الله.
*جمال التراكيب والجمل:
أ. التركيب: التكراري الإيقاعي (التكرار بزيادة):
اليوم الأول: «فقال له: ارجع آخر النهار»، اليوم الثاني: «فجاءه حين ينام الناس»، اليوم الثالث: «فخرج وقد اشتد غضبه وقال: والله لا أنام حتى أقضي بينكما!» يلاحظ أن كل جملة أطول وأعنف من سابقتها، فالتركيب نفسه يصعد مع الغضب.
ب. الجملة القرآنية المحورية التي تُوّجت القصة:
“وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِين” وهي جملة اسمية، بعطف متساوٍ بين ثلاثة أنبياء عِظام، ثم تأكيد «كُلٌّ» يشمل الثلاثة بالصبر.
يلاحظ أن أعظم تتويج بلاغي لاسم “ذا الكفل” إنه اسم صار رمزاً للصبر بعد أن كان مجرد كفالة بشرية.
ج. جملة الكشف المزلزلة:
“فكشف الغطاء وقال: أنا إبليس! ما كان لي خصم ولا مظلمة، وإنما أردت أن أغضبك!” تركيب الجملة مفاجئ، قصيرة، متتابعة، كضربات سيف.
– استخدام «أنا إبليس» بدون مقدمات فشكلت أقوى صدمة بلاغية في القصة كلها.
* الإيقاع الصوتي والجناس:
– «كَفَلْتُ – كَفَالَة – ذا الكِفْل»وهو جناس ناقص متتالٍ يربط بداية القصة بنهايتها.
– «غَضِبَ – غَضِبَ – اشتدّ غضبه» وهو تكرار صوت الغين والضاد يعطي إحساساً بالثقل والغثيان.
– لا أنام – لا أنام: تكرار يوحي بقوة العزيمة والإصرار.
* خلاصة بلاغية:
القصة كلها مبنية على كلمة واحدة («كفل») تطورت دلالتها من أول جملة إلى آخر آية قرآنية.
والصور كلها حسية بسيطة (باب، شيخ، طرق، غضب، نوم) لكنها تحمل أعمق الرموز الروحية.
والتراكيب تتصاعد كالنغمة الموسيقية حتى تنفجر في لحظة الكشف، ثم تهدأ في التتويج القرآني الأبدي.
* وختامًا:
لهذا تبقى قصة ذي الكفل – رغم قصرها – تحفة درامية كاملة الأوصاف، تجمع بين البساطة الظاهرة والعمق الرمزي وجمال الإيقاع والجناس والتصوير، مع التكثيف والإيجاز، والنص الحافل بالمفاجآت والخبايا التي تزيد الإثارة. والتشويق.









