علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

من الباب الخلفي.. حكاية الشك حين يتسلّل للإنسان

المقال رقم (2)

من الباب الخلفي.. حكاية الشك حين يتسلّل للإنسان

 

بقلم: رشا علواني 

 

✦ لماذا يولد الشك من الألم وليس من الفكر؟

قبل أن نبدأ، علينا أن نفهم حقيقة بسيطة لا يلاحظها الكثيرون:

الشك في جذوره ليس فكرة.. بل وجع.

وكل محاولة لتفسير الإلحاد على أنه “فكرة ذكية” أو “تحليل منطقي” تتجاهل أصل القضية:

أن الإنسان يشك حين يتألم أكثر بكثير مما يشك حين يفكر.

فلماذا؟

ولماذا يبدأ الطريق النفسي للإلحاد من جرح؟

ولماذا يكون الألم هو الباب الأول، والفكر مجرد ممر متأخر؟

 

دعونا نفتح هذا الباب ببطء.

1) لأن العقل لا يتغير إلا حين يتغيّر القلب

العقل ثابت بطبيعته، يحب النظام، يحب المنطق، يحب ما اعتاد عليه.

لكن القلب… هشّ ومتقلب.

وكل ضربة على القلب تغيّر اتجاه العقل تلقائيًا، حتى لو لم ينتبه الإنسان لذلك.

حين يمرّ الإنسان بخيبة، فقدان، ظلم، صدمة، أو تجربة تُشعِر روحه بالانكسار…

لا يعود الدين بالنسبة له معلومة، بل يصبح سؤالًا:

“لو كان الله يراني… لماذا حدث هذا؟”

هذا السؤال لم يولد من قراءة كتاب، أو نقاش فلسفي، أو مفكر عالمي.

ولد من ألم شخصي جدًا.

ألم يغيّر مكان الأشياء في الداخل، فجعل العقل يبحث عن إجابات جديدة لأن القلب لم يعد كما كان.

 

2) لأن الألم يُربك البناء الداخلي للإيمان

 

الإيمان الطبيعي داخل الإنسان يقوم عادةً على ثلاثة عناصر:

– الأمان.

– المعنى.

– الاتساق الداخلي.

لكن الألم يهزّ هذه الأعمدة كلها في لحظة واحدة.

فجأة يشعر الإنسان أن العالم غير آمن، وأن المعنى ضاع، وأن الأشياء لم تعد مفهومة.

هنا يدخل الشك…

ليس ليفسد الإيمان، بل ليحاول إعادة تشكيله.

الشك محاولة للنجاة.

محاولة لفهم الحياة حين تصبح غير مفهومة.

ونادرًا ما يكون الشك “عدوًا” في بدايته… بل هو استغاثة داخلية تبحث عن معنى.

 

3) لأن الإنسان لا يشك في وجود الله… بل يشك في نفسه أمام الله

 

أغلب الناس لا تبدأ طريق الشك بالسؤال:

“هل الله موجود؟”

هذا السؤال يأتي لاحقًا.

الشك الحقيقي يبدأ بسؤال شخصي جدًا:

“هل أنا مُهم؟ هل أنا مرئي؟ هل أستحق الرحمة؟”

الألم يجعل الإنسان يشعر بأنه “غير مرئي”، أو أن حياته لا قيمة لها، أو أن الخير لا يجده.

وهذه المشاعر تضعف العلاقة الروحية نفسها.

حين يتألم الإنسان، يشعر أحيانًا أن الله صامت…

والصمت الروحي إذا طال، يتحوّل إلى شك، ثم إلى فجوة، ثم إلى إعادة بناء جديدة بالكامل.

والغريب أن كل هذا يحدث داخليًا… دون كلمة واحدة.

 

4) لأن الفكر لا يملك قوة التغيير التي يملكها الوجع

 

النقاشات الفكرية لا تغيّر قناعة راسخة.

لكن ليلة واحدة يبكي فيها الإنسان من الخذلان… تفعل.

المنطق قد يقنع العقل، لكن الألم يغيّر الروح.

والإلحاد –في كثير من الحالات– ليس نتيجة برهان، بل نتيجة ألم لم يُعالَج.

لذلك نرى أشخاصًا شديدي الذكاء، لديهم القدرة على تحليل العالم، لكنهم لا يشكّون في إيمانهم… لأنهم لم يمرّوا بألم يهز جذورهم.

وفي المقابل، نرى أشخاصًا عاديين جدًا، لم يقرأوا صفحة فلسفية واحدة… لكنهم يشكون لأن الحياة جرحتهم أكثر مما يحتملون.

 

5) لأن الألم يفتح الباب لأعمق سؤال وجودي: أين العدل؟

 

ليس هناك سؤال يولّد الشك أكثر من سؤال العدل.

فالإنسان قد يتحمّل الألم، لكنه لا يتحمّل الظلم.

وحين يشعر أنه تعرّض لظلم شديد، يبدأ عقله في محاولة فهم الصورة الكبرى.

هنا يدخل الإلحاد – أو التفكير فيه – من الباب الخلفي:

ليس كفكرة “ضد الإيمان”، بل كحلّ نفسي للهروب من سؤال الظلم الذي لا يملك له إجابة.

 

6) لأن الألم يجعل الإنسان يبحث عن نسخة جديدة من نفسه

 

أحيانًا يكون الشك بداية شفاء، وليس بداية ضياع.

فالإنسان حين يُكسَر، يبحث عن نسخة جديدة منه…

نسخة أقوى، أعمق، أصدق، أو أقل ألمًا.

الإلحاد –في صورته النفسية– ليس رفضًا لله بقدر ما هو رفض للواقع الذي حدث.

رفض للجرح.

رفض للانكسار.

رفض لذاكرة تؤلم كلما تذكّرها.

وهذا الرفض حين لا يلتئم… يتحول إلى شك.

 

7) لأننا حين نتألم… نصمت عن الله بدل أن نتكلم معه

 

وما لا يُقال… يتحوّل إلى شك.

وما لا يُواجه… يتحوّل إلى فكرة.

وما لا يُعالَج… يتحول إلى عقيدة جديدة تمامًا.

لذلك كثير من طرق الإلحاد النفسية تبدأ من صمت طويل.

صمت لا يسمعه أحد، لكنه يمتلئ بالأسئلة التي لا تُقال.

 

8) لأن الفكر وحده لا يملك القوة ليغيّر الروح… لكن الألم يغيّر اتجاه الإنسان كله

 

الفكر قد يغيّر رأيًا، لكن الألم يغيّر الإنسان.

ولذلك يولد الشك من الألم… قبل أن يلمس الفكر.

ويدخل من الجرح… قبل أن يصل إلى العقل.

ويستقر في المساحات التي انكسرت… قبل أن يستقر في أي فكرة.

 

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي