
وهمُ المعرفة في زمن السيل الجارف
حين نُصاب بالتخمة ولا نبلغ الحكمة
بقلم: د/ أحمد النجار
أسوأ ما في تدفّق المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنّه لا يُنير العقل بقدر ما يُربكه، ولا يقرّبنا من المعرفة بقدر ما يُوهِمنا بامتلاكها. إنّه داءٌ خفيّ، يتسلّل إلى الوعي فيُقنع صاحبه أنّه عَلِم، وما عَلِم؛ وأنّه أدرك، وما أدرك.
فالمعرفة الحقّة ليست تراكمًا كميًّا لما يُقرأ ويُشاهَد، بل بناءٌ تراكميٌّ للفهم، وصقلٌ للتمييز، وتدرّجٌ في إدراك العلاقات والأسباب والنتائج.
لقد انتقل الإنسان المعاصر من ندرة المعلومة إلى فيضانها. وما بين الطرفين فارقٌ دقيق: فالندرة كانت تحفّز السؤال والبحث، أمّا الفيضان فيُغرق السؤال قبل أن يولد. قال تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
(يوسف: 76)
تذكيرًا بأنّ المعرفة درجات، وأنّ التواضع العلمي شرطها الأوّل. غير أنّ وهم المعرفة يُقصي هذا التواضع، فيتحدّث المرء في كلّ شأن، ويفتي في كلّ مسألة، اعتمادًا على مقطعٍ عابر أو منشورٍ مُقتضَب.
ومن أخطر آثار هذا الوهم أنّه يُنتج يقينًا زائفًا. فالخوارزميات لا تُكافئ الحقيقة بقدر ما تُكافئ الإثارة، ولا تُعلي من شأن الدليل بقدر ما تُضخّم ما يُوافق الهوى. وهكذا تتشكّل “فقاعات معرفية” يرى فيها المرء انعكاس رأيه فيظنّه إجماعًا.
وقد نبّه الإمام الشافعي إلى هذا المعنى حين قال: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”
وهي قاعدة ذهبية في الانفتاح المعرفي، تُهدم اليوم تحت وطأة اليقين المستعجل.
وليس جديدًا أن تُخدع العقول ببريق السطح؛ فقد قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسنه”، والإحسان هنا ليس كثرة الكلام، بل جودة الفهم. وقال الجاحظ في بيان فضل التمحيص: “المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسلامة الدلالة”.
غير أنّ ثقافة “الترند” تُقصي الوزن وتستبقي الضجيج، فتُستهلَك الفكرة قبل أن تُفهَم.
إنّ وهم المعرفة يُضعف ملكة النقد، لأنّه يختزل العلم في عناوين، ويحوّل القراءة إلى مسحٍ سريع، ويستبدل المراجعة بالانطباع الأوّل. وقد حذّر الغزالي من هذا المسلك حين فرّق بين علم السماع وعلم الذوق، فالأوّل قد يُكسب معلومات، أمّا الثاني فيُثمر فهمًا. وفي عصرنا، يكثر السماع ويقلّ الذوق؛ يكثر النقل ويقلّ التحقيق.
ثمّة بُعدٌ أخلاقيٌّ لا يقلّ خطورة: فحين يتوهّم الإنسان المعرفة، يزداد تعاليًا في الحوار، ويقسو في الاختلاف، ويستسهل التخوين. قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
(الإسراء: 36)
نهْيًا صريحًا عن اتباع ما لا يقوم على علمٍ محقَّق. وقال النبي ﷺ:
“كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكلّ ما سمع”
(رواه مسلم)
وهو حديثٌ يُجسّد أخلاقيات التلقّي الرشيد في زمن السرعة.
ولا يعني هذا رفض وسائل التواصل أو التقليل من نفعها؛ فهي أدوات، والآفة في سوء الاستخدام. إنّ المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك إلى المنهج: قراءةٌ بطيئة، ومصادرُ موثوقة، وتخصّصٌ يُراكم العمق، وحوارٌ يُعلي الدليل.
وقد لخّص ابن خلدون هذا المنهج حين قال في المقدّمة إنّ العلم لا يُنال دفعة، وإنما يُكتسب بالتدرّج.
خلاصة القول.. إنّ أخطر ما يفعله سيل المعلومات ليس تضليلنا بمعلومة خاطئة فحسب، بل إقناعنا بأنّنا لسنا بحاجة إلى تعلّمٍ أعمق.
والدواء يبدأ بالاعتراف بحدودنا، وبالعودة إلى سؤالٍ بسيطٍ عميق: هل فهمنا حقًّا، أم اكتفينا بالانطباع؟ عندها فقط ننتقل من وهم المعرفة إلى نور الحكمة.













